23 أغسطس 2026

لقاء الاقزام

0 كلمة • 1~ دقيقة للقراءة • فصل 3 / 5

لم تجد جماعة عمر شيئا يأكلونه على ذلك الشاطئ سوى أسماك ونباتات غريبة لا وجود لها في أوروبا ولا في أفريقيا. تقدم أحد الجنود يسأل عمر وهو ينظر إليه بنظرة التلميذ لمعلم حكيم: "هل هذه الأشياء تصلح للأكل يا سيدي؟ فالموارد لدينا قليلة." كان الجندي يعلم أن عمر رحالة طاف أرجاء العالم ويعرف خباياه، فالتفت عمر إلى أصحابه وقال: "لا أعلم يقينا، لكن الأسماك يمكن أكلها."

ثم أردف عمر قائلا: "نريد الإبحار والابتعاد عن هذه الأرض، لكن النجوم مختلفة تماما عما نعرفه. حتى السماء التي كانت بوصلتنا في البحر أضحت جديدة علينا." تساءل عمر وهو ينظر إلى الأعلى متلعثما: "ما هذا القوس الذي يشق كبد السماء؟"

خرج سالم من بين الحشد وقال بصوت عالٍ: "أنا أعرف! إنها حلقات كوكب زحل."

تعجب عمر وقال له: "زحل؟! ذلك الكوكب البعيد في السماء! ماذا يفعل هنا؟"

رد سالم: "بل السؤال الصحيح: ماذا نفعل نحن هنا؟"

عمر: "هنا؟ أين نحن بالضبط؟"

سالم: "نحن على زحل!"

حل سكون قاتل على الجمع، والجميع ينظرون باستغراب إلى سالم. فتساءل الشيخ أحمد: "وكيف وصلنا إلى زحل إذن؟"

نظر إليه سالم وقال بثقة عالية: "العاصفة هي التي رمتنا إلى زحل!"

ضج الجميع بالضحك وسخروا من جوابه، فقال عمر متأسفا: "كيف لعالم مثلك أن يتفوه بهذه الترهات؟ أسكت يا سالم وتنحَّ جانبا."

قال عمر ذلك لأن سالم كان من أذكى علماء الأندلس، لكن عيبه الأكبر تمثل في أفكاره المجنونة وتجاربه الغريبة التي جعلت الجميع يبتعدون عنه، باستثناء عمر الذي كان يمول أبحاثه ويعتبره من أصحابه المقربين. ثم التفت عمر إلى جماعته وقال: "لا خيار أمامنا سوى انتظار البعثة الاستكشافية لتعود إلينا بأخبار هذه الأرض."

بعد فترة، وصل إسحاق وجماعته إلى المعسكر ومعهم القزمان هلينا وهومر. نزل إسحاق عن حصانه وألقى السلام، تساءل الحاضرون عما وجدوه، فرد إسحاق: "وجدنا قرية مدمرة خالية من السكان، وفيها ألواح مكتوبة بالعبرية. ورغم أنها لغتي الأم، إلا أنني لم أفهم منها شيئا؛ حروفها عبرية لكن كلماتها غريبة جدا. كما رأينا جبالا ومحيطا بالساحل وغابة ليست ببعيدة، وعندما ذهبنا لاستكشاف الغابة، وجدنا أمامنا هؤلاء الأطفال."

كان القزمان بطول طفل يبلغ الخامسة من العمر، وكان هومر وزوجته شبابا لا تظهر عليهم تجاعيد أو أي علامات لكبر السن، وهو ما جعل إسحاق وعمر يعتقدون أنهما مجرد أطفال.

سأل عمر هومر: "ما اسمك؟ وأين أهلك؟"

لم يتكلم هومر، فقال عمر: "هل تفهمني؟ تحدث لأعرف لغتك، فلدي مترجمون يجيدون كل لغات الأرض."

في تلك اللحظة، بصق هومر على عمر وتحدث بلغة عربية كأنه عجمي تعلمها للتو: " أنا لا أخاف منك!"

كان لأقزام الغابة موهبة عجيبة توارثوها عن أجدادهم، وهي معرفة أي لغة يسمعونها للمرة الأولى. وبما أن هومر كان يستمع طوال الطريق لإسحاق وجماعته وهم يتحدثون، فقد فهم العربية وعرف كيف يشكل كلماتها دون أن يتعلمها.

لم يغضب عمر، بل كان منبهرا أن طفلا في عمره يتحدث العربية! وظن أن هناك عربا في المنطقة. استراح وقال: "الحمد لله، نحن في أرض إسلامية، وهذا يعني أننا لسنا في خطر."

ثم أردف سائلا: "إذاً، ما اسمك؟ وأي دولة هذه؟"

لم يجب هومر، فتبسم عمر وقال متوددا: "آسف، لم أعرفك بنفسي. أنا عمر، أمير من الأندلس هربنا من الإسبان ونحن لاجئون عندكم، فهل ترشدني إلى حاكم هذه الأرض؟"

في هذه الأثناء، بدأت بطون هلينا وهومر تصدر أصواتا من شدة الجوع. عرف عمر أنهما جائعان، فأمر بإحضار الطعام لهما. أحضروا جرة من التفاح الأحمر الشهي، فمدت هلينا يدها، لكن هومر صدها ونظر إلى عمر بريبة. أخذ تفاحة وأكلها، كان خائفا من أن تكون مسمومة، فلما تأكد من أنها ليست مسمومة، هز رأسه لهلينا بأن تأكل.

قال عمر لهومر: "هل تريد أن تأخذني إلى حاكم البلاد؟"

رد هومر: "لا."

أدرك عمر أنه لا فائدة منه، فقال لهما: "يمكنكما أخذ الجرة والرحيل."

استغرب هومر كيف لشخص أسره أن يطلق سراحه ويعطيه طعاما! حيا هومر عمر تحية عبارة عن لمس الصدر ثم الجبهة ثلاث مرات، وقال: "اسمي هومر، وهذه الأرض ليس لها حاكم... أنا وزوجتي وحدنا هنا." ثم انصرف هومر وهلينا وراءه.

قالت هلينا وهي تتبعه: "هذه المخلوقات تشبهنا!"

رد هومر: "إنهم بشر."

ابتسم عمر وقال معجبا: "هذا الطفل شجاع وحكيم، لقد أعجبني."

سأله إسحاق: "هل أتبعه لكي اعرف أين يعيش؟"

أجابه عمر: "لا، علينا أن نكتسب ثقته، وأيضا طالما نحن في أرض إسلامية فلا خطر علينا."


نهاية الفصل
تعليقات (0)
1~ دقيقة للقراءة • 0% مكتمل

ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا