أرض تحت سماء أخرى
وصلت السفن إلى اليابسة ونزل الجميع يتنفسون الصعداء، وخرّ بعضهم ساجداً شكراً على السلامة، بينما وقف عمر في مكانه مستغرباً وهو يتأمل المكان. اقترب منه أخوه سيد مولاي وقال له: "هل لاحظت أنت أيضاً؟"
قال عمر: "نعم... هذه ليست المغرب."
قال سيد مولاي: "يا خوفي أن نكون قد دخلنا أرض النصارى!"
وقبل أن يكمل باقي كلامه، سمعوا صوت امرأة تصرخ، فالتفت الجميع نحوها. كانت هي الوحيدة التي لاحظت ما لم يلاحظه الجميع، وكانت تشير نحو السماء. كانت السماء تحتوي على خطوط بيضاء رفيعة مثل الشعرة، تبدأ من الشرق وتنتهي في الغرب مثل قوس قزح.
حينها أدرك عمر أن هناك شيئاً غير طبيعي في هذه الأرض، وقال: "سنعسكر هنا حتى الغد."
حل الليل، وكان القوس في السماء مشرقاً مثل القمر البدر، وتحته الخيام. كان عمر وأصحابه في خيمة كبيرة في مركز المعسكر يتناقشون حول مكانهم وفاتحين الخرائط.
قال الشيخ أحمد: "مستحيل، من المفترض أن نكون في المغرب، ربما عاصفة جرفت سفننا نحو جزيرة أو أرض لم نعلم بوجودها."
قال له لي بان: "هذا مستحيل، خرائطي لم تبقَ جزيرة أو أراضياً إلا وذكرت فيها، أنا أعطيت عمري في البحر ولا يمكنكم التشكيك في..."
قاطعه الشيخ أحمد بوجه بارد: "ماذا تقول يا لي بان؟ أنا لم أسمّك ولم أشكك فيك، ربما بسبب قلة فهمك للعربية التبس عليك الموضوع، من فضلك اهدأ واجلس."
جلس لي بان محرَجاً لأنه بالفعل لا يفهم العربية، واعتقد أن الشيخ أحمد يتهمه بإضاعتهم عن الطريق ويتهم خرائطه بأنها ليست دقيقة.
قال عمر: "من الواضح لنا يا رجال أننا جاهلون بمكاننا، وربما نكون في خطر، وعلى مجموعة منا أن تذهب وتستطلع لنا المكان." ثم وضع يده على كتف إسحاق الجالس بجانبه قائلاً: "إسحاق سوف يقود هذه المجموعة."
قال إسحاق: "أنا؟!"
عمر: "نعم أنت، لأنك تحفظ الطرق من أول مرة ولن تضيع، وأنا أثق بك."
الجميع وافقوا على ما قاله عمر، فالفرقة الاستطلاعية الصغيرة هي أفضل خيار لمعرفة الأرض حولهم.
أشرقت شمس الفجر، وكان إسحاق وفتية معه على خيولهم يستعدون للانطلاق. قال لهم عمر مودعاً: "مع السلامة، الله يحفظ طريقكم."
انطلقت الفرقة الاستكشافية نحو المجهول، وعمر ينظر إليهم بخوف عليهم مثل أم تودع أبناءها.
وتنقل بنا القصة نحو غابة حيث مجموعة من المخيمات الصغيرة بين أشجار الأرز الطويلة، يعيش فيها مجموعة من الأقزام الرحل. كان شيخهم يقول إنهم سوف يغادرون هذه الأرض لأن ليس فيها أي طعام. قال شاب منهم معترضاً: "لماذا نترحل بحثاً عن الطعام ونحن بالقرب من بحر ملئ بالسمك؟"
قال له شيخ العشيرة: "يا هومر، أنت تريد أن تهلكنا! نحن الأقزام ضعفاء، والتخفي في الغابات حمانا لعقود، وإن خرجنا منها قد ترانا المخلوقات الشريرة."
الجميع خافوا إلا هومر الذي قال: "يعني نموت من الجوع خائفين من أن نكون طعاماً لمخلوقات خيالية؟"
بعدها دخل هومر خيمته وأمسك حربة الصيد، فقالت له زوجته هيلينا: "هومر، لماذا تأخذ حربة الصيد ولا توجد بحيرة في الغابة؟" قال لها: "أعلم"، وخرج مسرعاً. فأدركت هيلينا الكارثة ولحقت به تناديه: "هومر! هومر! هومر!..."
حتى خرج هومر من تحت ظل الغابة نحو مرج أخضر مبسوط وكل أطرافه ظاهرة ولا مكان للاختباء فيه. وقفت زوجته خلف ذلك الخط من الظل تنظر لزوجها وهو يسير بعيداً، وكانت خائفة وكانت هناك أفكار تتخبط في عقلها، مخيرة بين أمان الغابة وبين خسارة زوجها.
تتشجع هيلينا وتجري خلف زوجها لتعيده بعدما ابتعد عن ناظريها، وكانت الدموع تنهمر من عينيها.
لم يغادر الأقزام غابتهم أبداً لأنها هي الستارة التي تخفيهم عن العالم المليء بالمخاطر، مع أنها فقيرة في الموارد.
تمسك هيلينا يد زوجها وهي تبتسم والدموع تسيل على خدها، وقالت له: "تعال نرجع، أعرف أنك جائع لكن لا تخف، سوف نجد طعاماً في مكان ما، ليس عليك أن تخاطر بحياتك."
يسحب هومر يده وقال: "كفى... كفى خوفاً من العالم! شعوب بنت حضارتها ونحن الأقزام مدفونون في أعماق الغابة. لقد انقرض الكثير من قبائلنا ليس بسبب الوحوش بل بسبب المجاعة، أنا سوف أبني منزلي على البحر وسوف أستقر، لن أترحل بين الظلال."
صرخت هيلينا عليه: "كفااااا..."
فجأة والتفّت مجموعة من الخيول العربية حول هذين الزوجين وتجمدوا في مكانهم.
أمسك هومر حربته مستعداً للقتال وقال لزوجته: "ابقي خلفي سوف أحميك"، لكنها كانت قد ابتعدت وهي تجري وتصرخ من الخوف. لحق بها إسحاق على خيله وكان أسرع من الريح، وأمسك بها ووضعها على حصانه، لكنها كانت بالفعل
مغماً عليها من الخوف.
يتبع
ملاحظات الكاتب
التعليقات
أضف تعليقًا