كان العمل مرهقًا حد الإنهاك، والشمس في كبد السماء تصبّ نارها على رؤوسهم دون رحمة. الهواء ثقيل، والتراب جاف، والأدوات المعدنية تحترق بين الأيدي. كفّ سيرشا الناعم تشقق تحت حرارة أدوات الحرث، وظهرها صار يئنّ بصمت. لكنها لم تشكُ، لم تسمح للتعب أن يُرى، بل أنهت مهامها كما ينبغي، وكأن شيئًا لم يكن.

حين دقّت ساعة الوجبة الوحيدة، انطلق الجميع نحو الطباخ، رجل جامد الملامح يقف قرب قدر كبير، يسكب الطعام في الصحون المعدنية دون أن يرفع عينيه عن الأرض. هو لا يطهو من قلبه، بل يؤدي عملاً فُرض عليه كما فُرض عليهم الجوع.

أخذت سيرشا صحنها، وكان بسيطًا، حفنة من الحبوب المطبوخة وبعض الماء المالح، لكنها لم تتذمر. جلست قرب جوستاف، الذي كان قد بدأ الأكل بصمت، كعادته حين يتعب.

فتحت صحنها وبدأت بالأكل بهدوء، لكن صوتًا ناعمًا، غريبًا، تسلل إلى أذنها

"هل آذيتِ يدكِ؟"

التفتت بدهشة، لم يكن جوستاف من تحدث. إلى جانبها كانت تقف فتاة شابة، في مثل عمرها تقريبًا، ذات بشرة داكنة وشعر أسود مربوط بعناية إلى الخلف. عيناها كان فيهما شيء من الحنان، لا الفضول.

حركت سيرشا يدها بتوتر وقالت محاولة التهرب

"لا بأس... مجرد حروق، اعتدت على هذا النوع من الألم."

لكن جوستاف توقف عن مضغ طعامه وحدّق في يدها بقلق

"أنتِ مصابة؟! متى حصل هذا؟"

أجابت بسرعة، محاولة طمأنته

"ليست إصابة خطيرة، فقط... حرارة الأدوات."

اقتربت الفتاة أكثر، ثم انخفضت بصوتها وهمست

"يمكنني مساعدتكِ، لو أردتِ."

من دون انتظار رد، غرزت شوكة طعامها الصغيرة في طرف ثوبها، ومزقت منها قطعة قماش نظيفة. جمعت قليلاً من الطين الناعم، وخلطته بالماء البارد، ثم بللت به القماش وربطته بلطف حول يد سيرشا المحترقة.

قالت بهدوء، وعيناها على الجرح

"هكذا أفضل... سيحميكِ هذا من التلوث. لو تلوثت الجروح، قد تُبتر يدكِ."

حدقت بها سيرشا بدهشة، ثم ابتسمت بامتنان صادق

"شكرًا لكِ... لقد أنقذتني دون أن تسألي حتى."

سكتت لوهلة، ثم سألت بفضول هادئ

"ما اسمكِ؟"

رفعت الفتاة نظرها وابتسمت بخجل

"نياما."

أجابت سيرشا بحماس صادق

"اسمكِ جميل! فيه قوة... تمامًا مثلك."

ضحكت نياما ضحكة قصيرة، ثم سألت هي الأخرى

"وأنتِ؟"

"سيرشا."

ردّت نياما بعد لحظة صمت، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها

"ياله من اسم... غريب."

لكن نبرتها لم تكن سخرية، بل مزيج من الفضول والود، كما لو أنها تحفظ الاسم في ذاكرتها بعناية.

حلّ الليل بهدوءٍ غريب، لا يشبه ليالي المدن ولا حتى القرى. كان الصمت هنا مشبعًا، لا بالراحة، بل بشيء آخر... كأنه انتظار ثقيل يملأ صدور الجميع. في الإسطبل، حيث تتناثر أكوام القش كأحلام مؤجلة، كانت سيرشا تجلس قرب الباب الخشبي، تحدّق في بقعة من السماء، لا نجوم فيها، فقط سواد.

اقتربت نياما بخطوات خفيفة، وجلست إلى جانبها دون أن تنطق. بعد لحظة، همست

"أتحبين الليل؟"

أجابت سيرشا بعد تأمل

"أحبه لأنه لا يراني... لا أحد ينظر لي فيه كعبدة."

قالت نياما بهدوء، وهي تميل برأسها للخلف

"الظلام لا يملك عيونًا، لكنه يعرف كل شيء."

تسلل صوت خفيف من الداخل، كان جوستاف يتمدد على القش، يستمع بصمت، ثم قال بنبرة شبه نائمة

"الظلام لا يهم... المهم من سيكون أول من يجرؤ على إشعال شمعة."

سكتت الفتاتان، وكأن كلماته أيقظت في أعماقهما شيئًا خافتًا.

قالت نياما بصوت منخفض

"أشعر أحيانًا أن هناك نارًا صغيرة تحترق هنا..." 

وضعت يدها على صدرها، ثم أكملت

"لكن لا أستطيع معرفة إن كانت شجاعة... أم مجرد غضب لا يجد مخرجًا."

نظرت إليها سيرشا طويلًا، ثم تمتمت

"ربما هما نفس الشيء."

مرت لحظة من الصمت. ثم، كما لو أن الحديث أثقل الجميع، قامت نياما وقالت بابتسامة صغيرة

"سأنام الآن... لدينا يوم طويل غدًا، وأرض لا تنتهي."

همّت بالرحيل، لكنها توقفت فجأة، واستدارت إلى سيرشا

"حين كنت صغيرة، كانت أمي تخبرني أن القمر لا يخرج ليراقب البشر... بل ليتأكد أنهم ما زالوا على قيد الأمل....سيرشا..ريما انتِ هذا الأمل في جوف العتمة،هل تكونين صديقتي؟""

نظرت سيرشا نحو السماء مرة أخرى، تمتمت كأنها تحدث القمر نفسه

"و كيف ارفض؟بالطبع!."

مع أولى خيوط الصباح، انطلقت سيرشا ونياما جنبًا إلى جنب، خطواتهما متناغمة رغم اختلاف نشأتهما، كأن بينهما صداقة قديمة لا تزال تتشكل بصمت.

اقتربتا من نقطة التجمع قرب الحقول، حيث كان جوستاف واقفًا، يتفقد الأفق بعينين متعبتين. أسرعت إليه سيرشا، عيناها تلمعان بالحماسة المألوفة، وقالت بصوت يكاد يطغى على صمت الصباح

"هل سنحرث الأرض من جديد اليوم؟"

رفع جوستاف نظره نحو نياما، التي كانت تقف بجانب سيرشا بصمت، ثم انحنى قليلًا نحو سيرشا وهمس، بنبرة لا تخلو من القلق

"كيف كوّنتِ صداقات بهذه السرعة؟ لا تثقي بكل من تبتسم لكِ."

قطّبت سيرشا حاجبيها، ونفخت صدرها بغيظ لم تحاول إخفاءه

"نياما فتاة طيبة. إن لم يعجبك وجودها، فلا ترافقني."

هزّ جوستاف رأسه بتذمر خافت، ثم تمتم ساخرًا

"كيف تريدين مني ألا أرافقكِ؟ أنتِ خندقٌ من الكوارث، كل يوم تحملين مفاجأة جديدة."

ردّت وهي تتنهد، وقد خفّ احتداد صوتها

"افعل ما يحلو لك، يا سيد الحذر."

دون مزيد من الكلام، تابعت سيرشا طريقها مع نياما نحو الحقول. وبينما بدأت الأيدي تعمل، وراح العرق يتصبب كما الأمس، بدا كل شيء أقل قسوة. ربما لأن الوحدة لم تكن رفيقة هذا اليوم، أو لأن صوت نياما حين تضحك كان يسرق من الوقت قسوته.

كان العمل ما يزال شاقًا، والتراب كما هو... لكن شيئًا في وجود نياما جعل النهار يمرّ وكأنه ليس طويلًا كما ظنّوه. وكأن السند لا يحتاج لوعود، بل يكفيه أن يمشي بجانبك بصمت.

ملاحظات الكاتب