حين تعوي العاصفة كأنها وحش جائع، وتتشابك الأمواج في عناقٍ عنيف مع السماء،ترتجف السفينة الخشبية في قلب الغضب، تتمايل كأنها راقصة مذعورة تحت ضربات الرعد،وأضواء البرق تنحت وجوهًا شاحبة في العتمة.
في جوفها، أرواح محطّمة مكبّلة..
أجساد منهكة، جُرّدت من أوطانها، ومن أسمائها، ومن حتى صوتها.
أفارقة، عرب، آسيويون… لم يعد للعرق اسمٌ هنا.
الاختلافات انمحَت، ليس رحمة، بل قهرًا.
فالكل يُختزل إلى شيءٍ واحد
قوّة عاملة.
جميعهم على متن هذا الخشب الصدئ، يُساقون إلى أرضٍ لا يعرفونها،
أرض لا تنتظرهم، بل تنتظر أيديهم فقط.
هناك، سيعملون حتى يتقشّر اللحم عن العظم،
حتى يُنسوا من أين جاؤوا… ومن كانوا.
ليست رحلة عبور، بل دفنٌ بطيء.
والسفينة؟
تابوتٌ عائم…
يغني للريح نشيد السلاسل.
وعلى ظهر تلك السفينة التي تشق عباب البحر كجرح مفتوح،وسط وجوهٍ نُزعت عنها ملامحها تحت المطر والملح والدمع،جلست امرأة… لم تكن مميزة المظهر،بشرةٌ سمراء كنغمة دافئة في عزّ الشتاء،شعرٌ مجعد ينمو كأنه يقاوم،وعينان عسليتان تلمعان ببقايا حلمٍ لم يُنتزع بعد.
ما جعلها مختلفة لم يكن جمالها،بل تلك الابتسامة الصغيرة التي تجرأت على البقاء،ابتسامةٌ نشزت وسط نشيد البكاء والرجاء والخوف.
إلى جوارها، شابٌ يابس الملامح، كأن البحر مرّ عليه ألف مرة ولم يترك فيه سوى البلادة.
أمال رأسه نحوها بنفاد صبر،وصوته يقطر انزعاجًا ساخرًا
"بحقكِ… توقفي عن الابتسام… ستتسببين بجلد نفسك."
لكنها، كمن يحمل نارًا صغيرة في صدره، همست بحماسةٍ طفولية
"جوستاف! برأيك… إلى أي أرضٍ سنُرسل هذه المرة؟"
زفر زفرة طويلة، أقرب إلى التعب منها إلى الجواب
"وكيف لي أن أعلم؟"
عادت بوجهها نحو السماء، كانت عيناها تبرقان كأنهما لا تريان القضبان من حولهما،وهمست في داخلها
"أريد أن أراها… تلك البلاد الجديدة… أريد أن أكتشفها،أكاد أختنق من شدة الحماس!"
ضحك جوستاف بهدوء، ضحكة ساخرة مليئة بالمرارة
"وربما تختنقين من شدة عنادك،انتبهي لنفسك… لو رآكِ الحارس تبتسمين هكذا، لن يتردد في ضربك."
أمالت رأسها نحوه في عبث دافئ
"ما بك؟ هل تقلق عليّ؟"
تمتم بصوت بالكاد يُسمع، نظراته لا تزال مشدودة إلى الأفق الرمادي
"كنتُ… لأمسح على رأسكِ بلطف…لو لم تكن يداي مكبلتين."
بعد مدةٍ ليست بطويلة،توقفت تلك السفينة عن الحركة،أي انها بلغت وجهتها اخيرًا.
صرخة اخد الجنود دوّت بعنف
"ترجلوا من على تلك السفينة!"
وصلت القافلة إلى الساحل الرملي. لم يكن هذا شاطئ الخلاص، بل بوابة جحيمٍ آخر... خلف أمواج الأطلسي، يبدأ الأسر من جديد، في أرضٍ لا تعرف الرحمة، تُدعى شنقيط.
بدأت القافلة في التحرك مع شروق الشمس، حين أمر السادة عبيدهم بالنزول من السفينة.
هبط العبيد الواحد تلو الآخر، أقدامهم العارية تطأ الرمل الحار، بينما كان السادة يمتطون الجِمال بعنجهية مطلقة، رافعين رؤوسهم كما لو أنهم ملوك صحراء لا تنتهي.
أما أولئك المساكين، فقد تبعوا أسيادهم مشيًا على الأقدام، منهكين، محنيّي الظهور، تتساقط نظراتهم على الأرض خشية أن تُحسب أحلامهم تمردًا.
في تلك اللحظة...
لمحت سيرشا بعينيها المتقدتين بالقلق،أحد العبيد وقد سقط أرضًا.
كان شابًا أسمر البشرة، تئن ملامحه من الألم لا من الخوف، وقدمُه المتورّمة بالكاد تسند جسده.
همس جوستاف بقربها، صوته بالكاد يُسمع وسط زئير الريح
"يبدو أن قدمه مكسورة..."
لم يُمهلهم أحد فرصة للشفقة.
أخرج السيد سوطه الجلدي دون تردد، وصفعه به على ظهره بعنفٍ وحشي، فدوى صراخ الشاب في الأفق، ممزقًا سكون الرمال.
صرخ السيد بنبرة جافة
"تحرّك أمامي، لا وقت للنوم في العراء!"
شهقت سيرشا بصوتٍ مكتوم، ورفعت كفيها المرتعشتين لتغطي فمها، كأنها تحاول حبس كل شيء..
كان جسده مائلاً، ملامحه تئن، لكنه التفت نحوها فجأة...
التقت نظراتهما.
رأت في عينيه نظرةً غريبة، شيء بين التحدي والاحتقار، كأنه يرفض حتى الشفقة...
عقد حاجبيه، وتجاهل ألمه، ثم رفع جسده المتألم وواصل السير بعنادٍ يكاد ينهار تحته.
تنهد جوستاف بامتعاض، وقال ساخرًا
"ما بال نظراته؟ أيظننا أسياده؟!"
لم ترد سيرشا، بل قرصته في ذراعه بقوة وهي تهمس بتحذير مشدود
"اصمت! لا تتفوه بكلمة... إن سمع أحد السادة طريقة حديثك، سيجلدونك."
تراجع قليلًا وهو يرمقها بتأفف، ثم تمتم بنبرة ضجر:
"أياً يكن..."
امتدت الصحراء أمامهم بلا نهاية، أرضٌ بلون النار، تعكس الشمس فوقها قسوتها دون رحمة.
صخور حادة متناثرة، ونباتات شوكية نبتت كأنها تجسيد للنجاة اليائسة.
الهواء ثقيل، مشبع بالملح والرطوبة المعلقة من أثر البحر الذي تركوه خلفهم، والمكان تحيطه رائحة الجلد المشوي تحت الشمس والعرق الخائف.
كان السادة يسيرون في المقدمة على ظهور الجمال، يرفعون السياط بين الحين والآخر دون أن يتكلموا، يلوّحون بها كما لو كانوا يذكّرون كل عبد بأن صمته لا يعني نجاته.
أما القافلة، فبدت كمشهد من الجحيم
رجال مربوطون بالسلاسل، بعضهم يسندون بعضًا كي لا يسقطوا.
نساء بثياب ممزقة، يحملن أطفالًا على ظهورهن أو يجرّرنهم بأذرعٍ مرتعشة.
أصوات أنين، تنهدات خافتة، وبكاء يُكتم بالقوة.
كان كل فرد يسير وهو يعلم
أيُّ خطوة خاطئة تعني صفعة، أو لطمة، أو موتًا في الرمل.
مرت ساعات، وربما أيام. لم يكن الزمن يُقاس بالساعات بل بعدد من سقط ومات على الطريق.
كانوا يُدفنون،إن دُفنوا،بسرعة، في حفر ضحلة، أو يُتركون للغربان والضباع.
وفي نهاية اليوم الثالث، ظهرت في الأفق مدينة العبيد.
لم تكن مدينة كما يتخيلها العقل، بل كابوسًا ثابتًا في قلب الصحراء.
بوابات خشبية ضخمة تقف في وسط العراء، تحيطها أسوار طينية عالية، وكأنها سجن مكشوف.
من بعيد، تتصاعد منها أعمدة دخان، أصوات سياط، وبكاء متقطع.
خلف الأسوار، تقف بيوت حجرية صغيرة لسادة السوق، وفي الوسط ساحة ضخمة مفروشة بالرمل الأحمر.
كانت الأرض الجديدة أشبه بجرح لم يندمل بعد... موطنًا قُدر لهم أن يسكنوه لا حبًا، بل لأن الرحيل لم يعد خيارًا. مستقرهم لم يكن بيتًا، بل ظلًا من الألم ومأوى للمنكسرين. الأرض التي فرشها القدر أمامهم.
اختار بعضهم أن يقضي ليلته في إسطبل الخيول، بين بقايا القش وروائح العرق والحديد، فيما احتمى آخرون بجدران بيوت السادة من بعيد، كما لو أن الاقتراب أكثر سيجعلهم يحترقون.
النظام كان بسيطًا... قاسٍ في بساطته،وجبة واحدة في اليوم، وعمل شاق يبدأ مع شروق الشمس، يبدأ من المزارع التي لم تُفلح منذ سنين، ليعيدوا إحياءها وكأنهم يزرعون أجسادهم فيها.
ألقى جوستاف بجسده على كومة من القش المتناثر، ممددًا كمن هرب لتوه من ساحة حرب، تنفس بعمق ثم تمتم بتنهيدة مرتخية
"وأخيرًا... بعض الراحة."
إلى جانبه، كانت سيرشا تجلس على ركبتيها، تمرر أصابعها بين خصلات شعرها المجعد الذي تشابك بفعل الغبار والتعب، وقالت بصوت ناعس
"لا تنسَ، غدًا يجب أن نستيقظ عند طلوع الشمس... نبدأ بحرث الأرض."
رفع جوستاف جسده قليلًا، اقترب منها بهدوء وأمسك خصلة من شعرها، تفحصها كأنها كنز ثمين وجد في غير موضعه، ابتسم بتلك الطريقة التي يخفي بها وجعه خلف شيء من الحنان
"إنه جميل... أجمل من أن تمتلكه عبدة."
رفعت كتفيها بخفة وقالت بنبرة خافتة
"ورثته من والدتي."
نظر في عينيها، ثم ابتسم بمكر خفيف
"لكنكِ... أكثر جمالًا من العمة إيماني."
امتقع وجهها بلون وردي خجول، وضعت كفيها على خديها، مائلة برأسها كطفلة لا تعرف أين تخبئ دهشتها
"أتظن ذلك؟! لكنني لا أظن أنني جميلة حقًا–"
توقفت عن الكلام فجأة... التفتت من حولها ولم ترَ جوستاف، شعرت بفراغ غريب في اللحظة، إلى أن لمحته يفرش القش بعناية في الزاوية المقابلة، بعينيه تلك النظرة البسيطة التي تقول كل شيء دون كلمات.
أشار لها بصمت
"هيا... نامي جيدًا."
ابتسمت، وركضت بخفة طفلة حافية، ثم ألقت بجسدها فوق كومة القش المعدّة لها، تلفّتت نحوه وهمست
"جوستاف... أنت لطيف فعلًا."
اكتفى بابتسامة صغيرة قبل أن يغمض عينيه، مستسلمًا لنوم ثقيل.
لكن الليل لم يكن كريمًا. فما هي إلا لحظات، حتى ابتلعتهم شمس الصباح دون رحمة، وأيقظتهم الأرض بندائها المعتاد...
إلى العمل.
ملاحظات الكاتب
ما رأيكم في القصة ك بداية؟
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا