28 فبراير 2025

ما الخطة؟

0 كلمة 1~ دقيقة للقراءة فصل 3 / 14

دلف هيكارو بخطواتٍ متعثرة، يصارع لاستعادة أنفاسه التي تقطعت إثر الركض المرير، ونطق بكلماتٍ ترتجف على شفتيه:

"نحنُ في ورطة.. ورطة حقيقية!"


زاغت عيناه في الأرجاء، انفرجت شفتاه لاهثاً يطلب الهواء، هرع كاغامي إليه وأمسك بساعديه ليثبته، فصرخ هيكارو مجدداً:

"سنموت.. الموت بانتظارنا جميعاً!"


هزّ كاغامي جسد صديقه بعنف، محاولاً انتشاله من نوبة الهلع التي تملكته، تساءل بجهلٍ تام:

"ما الذي دهاك؟ تحدث.. أخبرني ماذا جرى؟ هل رأيت ذلك الببغاء؟"


فجأة، شقّت صرخة الإنذار سكون المكان، تدوي بحدةٍ تنذر بكارثة وشيكة، عمّت الفوضى الأرجاء كإعصار، ارتفعت صرخات السياح في ذعرٍ جماعي. سحب كاغامي صديقه بقوة وسط تدافع الأقدام نحو البوابة، لكن هيكارو قاومه محاولاً التملص من قبضته، فصرخ به كاغامي وقد ضاق ذرعاً بمقاومته:

"ما بالك؟! تحرك معي الآن، إنها حالة طارئة!"


هزّ هيكارو رأسه بالرفض القاطع، تمتم بلسانٍ ثقيل:

"لا.. لا أريد الخروج.."


"هيّا تحرك!"


جذبه من ذراعه بعنف، بينما كان الذعر ينهش قلوب الجميع، والمكان يضطرب في ثوانٍ معدودة؛ حيث اختلط نعيق الإنذار بعويل البشر.

اندفعت الشهقات من الصدور، وارتدت الأقدام فزعة حين بلغت البوابة، فقد اقتحمها شخصٌ وهو يصرخ بملء حنجرته:

"ابقوا في الداخل! لا يخرج أحد.. تراجعوا فوراً إن كنتم تأملون في النجاة!"


دفع الحارسُ كاغامي ومن معه نحو الداخل، ثم أوصد البوابة بإحكام. رفع كاغامي عينيه يتفحص هيئة الحارس بذهول، بينما تشبث هيكارو بظهره بقبضةٍ فولاذية محاولاً جره للخلف. كان الرجل يرتدي زيّ العمل، بدا أنه حراس الحديقة. التفت كاغامي نحو هيكارو القابع تحت وطأة الصدمة، فقد كل أملٍ في استنطاقه، حاول فكّ يده المتشبثة بذراعه، صاح به حين فشل في تحرير نفسه:

"دعني وشأني يا هيكارو!"


أفلت هيكارو قبضته أخيراً، فانطلق كاغامي نحو الحارس سأله بلهجةٍ متوترة:

"ماذا يحدث هنا؟ أخبرنا ما الخطب!"


أومأ الحارس برأسه وهو يستجمع رباطة جأشه، تحولت ملامحه القلقة إلى صرامةٍ بالغة، ثم هتف ليسمعه الجميع:

"لا تخافوا، سنخرج من هنا بسلام إن التزمتم بتعليماتي.. هناك أسدٌ هارب من قفصه، والجميع في الخارج لاذوا بالفرار.. ابقوا هنا في الوقت الحالي.".


تجمد الجميع في أماكنهم، شخصت أبصارهم نحو الحارس بذهولٍ ساذج، كأن عقولهم عجزت عن استيعاب هول ما سمعوا...

أما كاغامي، فقد انطلقت منه ضحكة خافتة، ابتعد عن الحارس بضع خطوات، ثم استدار نحو الحشد ورفع كفيه المنفرجتين في الهواء يطمئنهم ببرودٍ غريب، قال بنبرةٍ تكاد تكون مطمئنة:

"لا داعي للقلق! الأمر أبسط مما تتصورون.. مجرد أسدٍ هارب!"


جثا كاغامي على ركبتيه قبالة هيكارو، الذي آثر الاستناد إلى الجدار ليلتقط أنفاسه المبعثرة بعد ماراثونٍ مرير هرباً من أنياب الأسد. حدق هيكارو في كليهما بامتعاض، بدأت ملامح الصدمة تقل عن وجهه شيئاً فشيئاً، فبادره كاغامي بنبرة متهكمة يحاول امتصاص خوفه:

"أكلّ هذا الذعر لمجرد أسد؟ إنه مجرد قط كبيٍر يا صاح! استجمع شجاعتك، ولا تقلق.. سننجو."


أبعد هيكارو رأسه عن الحائط ببطء، مال بجسده نحو الأمام مخاطباً كاغامي بهدوءٍ مريب:

"هل تمزح؟ أم أن مسّاً من الجنون قد أصابك؟ أسدٌ يا صاح.. أسد!"


تجاهله كاغامي بلا مبالاة، نهض نافضاً غبار عن ملابسه:

"لا يهم، المهم الآن أن نبحث عن مخرج."


في تلك الأثناء، تجاوزهما شابٌ ذو ملامح كورية، اندفع نحو البوابة التي أوصدها الحارس، محاولاً يائساً زحزحتها، ومن خلفه وقف شخصان يرقبان الموقف بتوجس. فجأة، كفت صافرات الإنذار عن العويل، ساد صمتٌ مريب دفع الجميع لرفع رؤوسهم نحو الأجهزة المثبتة في الأسقف بترقبٍ وحيرة...

التفت الحارس نحو كاغامي وهيكارو، منصرفاً عما يجري خلفه، قال بنبرةٍ يملؤها الثبات:

"لا مخرج من هنا! رأيت هذا الشاب يركض نحو هذا القسم فاقتفيت أثره لأنه الملاذ الأقرب. الجميع فروا وأنتم الآن محاصرون هنا.. وبينما كنت أحاول عبور البوابة الخارجية، ضغط حارسٌ آخر على أزرار التحكم بعشوائية أثناء هروبه فأغلق كافة الأبواب، فانطلق هذا الإنذار المزعج. ذلك الأحمق لم ينتبه لوجود أحياءٍ في الداخل! ربما غادرت الحافلة الآن متجهة للمدينة، ولا أدري إن كان أحدهم سيتذكرنا.. أو متى سيفعلون.


استقام هيكارو في وقفته وقد استعاد رشده تماماً، نفض كفيه ببعضهما قائلاً بضجر:

"وهواتفنا ليست معنا! لقد صادرها الحارس عند البوابة وأودعها الخزائن بحجة منع التصوير! في أي زمنٍ نعيش؟ وما هذه القوانين الغبية؟ إنها مجرد حيوانات، فهل تحتاج لخصوصيةٍ هي الأخرى؟"


عقب الحارس بجديةٍ تامة:

"حظر الهواتف له أسبابٌ وجيهة؛ أولها دفع الزوار للاستمتاع بالرحلة بعيداً عن الشاشات، وثانيها الحفاظ على هيبة الحيوانات وصورها، وثالثاً لضمان تركيز الزائر كي لا يتعرض للخطر، فضلاً عن منع وقوع الهواتف في أيدي الحيوانات."


هتفا معاً في استنكار:

" ها؟ ماذا؟!"


"نعم.. فذات مرة، قدم طفلٌ هاتف والدته لقردٍ من باب العبث، فخطفه القرد وحاول قضمه بينما انفجرت الأم في نوبة بكاءٍ مريرة، مما تسبب في تشويه سمعة الحديقة لاحقاً!"


انفجر كاغامي وهيكارو في ضحكٍ هستيري، علق هيكارو ساخراً:

"وماذا فعل القرد بالهاتف؟ هل أجرى مكالماتٍ دولية مع أقاربه في الغابة؟ أم التقط لنفسه صور لنفسه؟"


"ربما رفع دعوى قضائية ضد الإدارة بسبب سوء التغذية!"


أردف الحارس بلهجةٍ غامضة:

"بل فعل ما هو أسوأ من ذلك بكثير!"


انعقدت ألسنتهما، انصتا إليه بفضولٍ جارف:

"ماذا حدث؟"


أكمل الحارس قصته:

"كانت الأم توثق اللحظات عبر أحد تطبيقات البث المباشر، فأكمل القرد التسجيل موجهاً العدسة نحو الأم الباكية وطفلها الذي يضحك، وبحركاتٍ عشوائية قام بنشر المقطع! انتشر الفيديو كالنار في الهشيم، ووقعنا في ورطةٍ لا تُحسد عليها.. فماذا عسانا أن نفعل؟ هل نقتاد القرد للمحاكمة مثلاً؟"


حدق ببعض بدهشة، ثم غرقا في نوبة ضحكٍ نسيتهم هول الموقف، حتى قاطع الحارسُ قهقهتهم متسائلاً:

"أليس لديكم ما يقلقكم الآن أكثر من قصة القرد؟"


أشار بعينيه نحو الأرجاء الصامتة، فتبخرت الضحكات وشحبت الوجوه، ليسأل كاغامي بقلق:

"حقاً.. ما العمل الآن؟ هل سنبقى عالقين هنا؟"


أجاب الحارس بنبرةٍ تقطر شؤماً:

"لا أدري.. لكن لنتأمل ألا يقرر الأسد اقتحام هذا القسم؛ فهو يعلم جيداً أين اختبأنا!"


انفجر هيكارو بضحكةٍ هستيرية، ثم التفت نحو كاغامي وخاطبه بتهكمٍ لاذع:

"أسمعت؟ لا داعي للذعر إذن! إنه مجرد أسدٍ ضخمٍ وبديع، يمتلك مخالب وأنياباً فحسب.. سنستقبله هنا ليأخذ قسطاً من الراحة معنا، وربما يتكرم بإطلاعنا على مهاراته الافتراسيّة!"


قاطعه كاغامي بنبرةٍ حازمة وهادئة:

"كفّ عن الهراء، سنجد حلاً.. فقط حافظ على رباطة جأشك، نحن معاً في هذا."


ثم استدار نحو الحارس وأردف متسائلاً:

"أليس كذلك؟"


مرّر الحارس كفّه على وجهه الشاحب، وقد أثقلته الورطة حتى عجز عن النطق، فتراخت أكتاف كاغامي في إحباطٍ مرير وتمتم:

"أوه!"


بينما يدور صديقه في أرجاء القسم، تتقاذفه الأفكار والاضطرابات...

كانت العيون الشاخصة في الخلف ترقب كل هذا بوجل، دون أن يدرك أصحابها حقيقة ما يجري. تأمل كاغامي تلك الوجوه الحائرة، وتنهد وهو يرمق تقاسيمهم التي تعود لأصولٍ شتى، ثم سأل الحارس بيأس:

"آسيويان، وثلاثة من المملكة المتحدة على ما يبدو.. لا أحد منهم يفهم شيئاً، هل تجيد لغتهم؟"


نفض الحارس يديه واستدار نحوهم، فاستقام الجميع في وقفتهم بمجرد رؤيته، وقد اعتلت وجوههم سحابة من القلق، بينما حاول بعضهم رسم ابتسامة باهتة. سألهم بالإنجليزية لجس نبض استيعابهم:

"هل يتحدث أحدكم الإنجليزية؟"


ارتفعت أربعة أيدٍ في الهواء، وتقدم سائح صيني ذو عينين ضيقتين قائلاً بلكنة متقطعة:

"أفهم.. لكن.. قليلاً."


أومأ الحارس برأسه:

"حسناً، هذا يكفي."


ثم نقل بصره نحو شابٍ يقف بعيداً، يتدلى من عنقه حزام أسود يحمل كاميرا متوسطة الحجم. تقدم الحارس نحوه وسأله بالكورية، إذ بدت ملامحه ابنة هذه الأرض:

"هل أنت كوري؟"


تهللت أسارير الشاب، وبدا بياضه الناصع مشرقاً تحت الضوء، بينما كان شعره الكثيف مصففاً بعناية، فأجاب بلغته الأم:

"نعم.. نعم، أخبرني ماذا حدث؟"


وقعت عينا الحارس على الكاميرا، فضيّق حدقتيه بريبة وسأل:

"كيف تمكنت من إدخال هذه إلى هنا؟"


ابتسم الكوري وهو يحكّ جانب رأسه بارتباك، ثم هز كتفيه قائلاً:

"بطريقةٍ ما!"


توقف هيكارو عن الدوران حين لمح الجهاز، واندفع نحوهم صائحاً بانفعال:

"يمنعون الهواتف ويزعمون أنها قوانين، وهذا يدخل بكاميرا تضاهي حجم وجه كاغامي! كيف لم يلحظه أحد؟ هذا إجحاف! كنت أود التقاط صورٍ مع رفيقي.. ومع الببغاء!"


هتف كاغامي محتجاً:

"وما دخل وجهي بالمقارنة الآن؟!"


تجاهل الحارس مشاكستهما، وشرع يشرح الموقف باللغتين، ما بثّ الرعب في القلوب. صدرت عن المجموعة همهمات دهشة مشوبة بالخوف، فأكمل الحارس بنفس النبرة الواثقة:

"سنجد مخرجاً، الإنذار انطلق خطأً، لا تقلقوا.. فقط نفذوا ما سأطلبه منكم."


هز الأربعة رؤوسهم بطاعةٍ تامة كأنهم تلاميذ أمام معلمهم، باستثناء سائحٍ أمريكي بدا غير مقتنعٍ بحديث الحارس، فخاطبه بلهجةٍ تشكيكية:

"هل تملك خطةً حقاً؟ تبدو وكأنك تعمل هنا.."


"نعم، أعمل هنا.. وسأضع الخطة بناءً على ما ستؤول إليه الأمور."


نهاية الفصل
تعليقات (0)
1~ دقيقة للقراءة 0% مكتمل

ملاحظات الكاتب