"ساعات الأولى"
يا لهُ مِن منظرٍ مذهلٍ وجميل! بل يتفوق ذهولاً وجمالاً، يا لهُ مِن حوضٍ زجاجيٍ ضخمٍ يبدو كقطعةٍ فنيةٍ متحركة، تسبح في عمقه هذهِ الكائنات الصغيرة الظريفة؛ تغوص، تسبح، وتلهو في جوفه جميع أحجام الأسماك والكائنات البحرية التي تجعلني أتأمل أدقّ تفاصيلها دُون أن أشيح بعينيّ عنها. أقف أمام واجهة هذا الحوض المضيء منذُ.. لا أعلم كم مِن الوقت مضى، إنّها مِن أجمل اللحظات التي أعيشها الآن، وأجمل قرارٍ اتخذته في حياتي هو قرار رحلتي إلى هنا، ولن أندم قطّ.
استيقظت اليوم مبكرًا لأستعد لرحلتي، نقرت على سطح شاشة هاتفي على الرقم الظاهر الذي ينتمي إلى صديقي "هيكارو".. لا ردّ.. أعددت الإفطار، عاودت الاتصال به.. لا يجيب، مارست الرياضة، بدلت ثيابي، كرّرت الاتصال.. لا ردّ، حزمت حقيبة ظهري، وها هو ذا الكسول يجيب على مكالمتي:
"أين أنت؟"
تساءلت وأنا أعلم الإجابة، ردّ بخمولٍ يتضح في صوته:
"نائم.. ماذا هناك؟"
"ماذا هناك؟ اليوم موعد رحلتنا لحديقة الحيوان يا أحمق! استيقظ وإلّا ستفوتك الحافلة..."
قاطع حديثي، أجاب منفعلًا بعد فتور:
"حقاً؟ وهل ستتركني هنا إن لم ألتحق بالحافلة؟"
"نعم، بالطبع.. أكمل نومك أنت، وأنا سأذهب لرؤية الببغاء وحدي..."
صاح هيكارو بحدّة حتى أبعدت السماعة عن أذني:
"ماذااا! أنا مَن رغب في رؤية الببغاء وليس أنت! هل تحاول سرقة رغباتي؟ أنت ترغب في رؤية رقصة الحوت الذي لا وجود له في الحديقة، وفي باندا وهو يتناول جذع البامبو.. ما الممتع في هذا؟ وترغب في مقابلة الغوريلا الذي يتقن لغة الإشارة، وفي الديناصور المنقرض! رغباتك خارجة عن المنطق، عكسي أنا؛ أرغب فقط في مشاهدة الببغاء ذي الريش الملون والذي يجيد التحدث".
"التقليد.. تعني التقليد، هو يجيد التقليد وهذا ليس بشيء جديد، إنّه مُمل! كفاك حديثاً فارغاً، انهض وحاول أن تصل في الموعد"
كان سيتفوه بشيء، لكني أنهيت المكالمة لكي أزيد مِن غيظه، صديقي هذا حساس بشأن الببغاوات، أسخر منه لأنه معجب بها وهذا ما يثير غيظه، يرغب في رؤيتها بشدّة، لقد زار نصف ببغاوات المدينة، وثرثر معها كالطفل الصغير، لكنه يودّ زيارة هذا الببغاء خصيصًا لأنه ضخم، ومختلف الشكل ونادر، شاهدنا صورته المطبوعة على واجهة الإعلان، حينها قفز بحماسة أمامي وبيده الورقة، وصاح آنذاك بتشويق:
"وافق.. أرجوك.. أرجوك..."
وعيناه تستعيدان لمعانهما، هكذا يعود إليه الشغف.. حين يفعل ما يحبّ، أمّا أنا فأحرص على إبقاء بريق عينيه، لذلك وافقت على الرحلة بعد رفضي لها.. في الحقيقة أنا أيضًا كنت بحاجة إليها.
وصلت إلى الموقع المتفق عليه، أنا وبرفقتي جمهور لا بأس به، يبدو أنهم مِن أنحاء العالم، ذاك عيناه ضيقتان ومشدودتان يبدو آسيويًا، وهذا الأشقر إيطالي أو أمريكي، وحتى هذهِ المُسنّة تبدو مِن كوريا لامتلاكها البياض الناصع... حسنًا، أرى هنا عددًا كبيرًا مِن الوجوه الغريبة والمختلفة، كذلك توجد عديد مِن اللغات، الجميع يتحدث هنا مع مَن بصحبته، لكني لا أفهم أيّ حرف، تشبه هتافاتهم ضجيج تلفاز معطل.
لحسن الحظّ الطقس معتدل رغم أننا في فصل الشتاء، الغيوم كالضباب متراكمة توحي بعواصف وأمطارٍ غزيرة، والنسيم العليل يلفح الأجساد بين حين وآخر، ربما حين يحل الليل تزداد البرودة...
أطلّ هيكارو بجسده النحيل وقامته الفارعة، ممسكاً بقبضته حقيبةً متوسطة الحجم، يخطو وئيداً وملامح الاستياء ترتسم على وجهه، كأني أنا من ساقه مرغماً إلى هنا! لكن، ما إن وقعت عيناه الضيقتان عليّ حتى تهللت أساريره، فتعجلت خطاه نحوي ماداًّ ذراعه ليصافحني بابتهاج. جذبته نحوي مربتاً بيدي الأخرى على ظهره قائلاً:
"مرحباً يا صاح، ظننتك عدلت عن مرافقتي!"
وبحركة خاطفة، طوق عنقي بذراعه الأخرى مبرزاً سبابته في وجهي بلهجة وعيد:
"إن تجرأت وقلت عن الببغاء إنه كائن ممل أو تقليدي.. فسأقطع لسانك!"
أخرجت لساني متهكماً وأنا أشير إليه بعينيّ تحدياً:
"هيّا اقطعه إذن، فما زلت مصراً على قول كل ما يغيظك!"
دفع رأسي ضاحكاً، ثم انحنى ليلتقط حقيبته التي انزلقت منه، قبل أن نمضي وسط الزحام لنستقل الحافلة المخصصة لزوار حديقة الحيوان...
وها نحن الآن، وسط حشدٍ من السياح والمستكشفين؛ الأبصار شاخصة تجاه مناظر لا مثيل لها، والهمسات تتعالى من كل جانب، حتى بات الميدان يضجّ بالأحاديث. لا أنكر أن رأسي بدأ يئنُّ من الصخب، لكني سأبقى واقفًا أمام هذا الجمال مهما حدث، رغم يقيني أن هيكارو سيجبرني على المغادرة.. بالمناسبة، لقد ذهب هيكارو إلى دورة المياه منذ مدة، قال إنه سيعود سريعاً، لكنه استبطأ كثيراً...
~~
التفت برأسه فجأة نحو البوابة حين اقتحم صديقه "قسم الأسماك" صائحاً بلقبه في ذعرٍ هائم:
"كاغامي أون..."
تصلبت ملامح كاغامي، وقف واجماً يتأمل هيئة صديقه المذعور وهو يصارع لالتقاط أنفاسه الهاربة. أيقن فوراً أن ثمة خطراً محدقاً، فلقبه لم يُنطق بهذه النبرة عبثاً، ليهتف بتوجس:
"ما الخطب؟"
ملاحظات الكاتب
التعليقات
أضف تعليقًا