1 سبتمبر 2026

فصل الأول

0 كلمة 1~ دقيقة للقراءة فصل 1 / 1

كان يومًا مشرقًا في قريتنا المسالمة الجاثمة على التلال، وكنت حينها طفلًا بريئًا يلعب ويجري مع جديتي؛ كانت صديقتي المفضلة ولم أكن أفكر في شيءٍ سوى اللعب والمرح.

بينما كنت أعلى إحدى التلال، أنظر نحو قريتي الصغيرة والابتسامة العريضة ترتسم على وجهي، ظهر فوجٌ من الفرسان يرتدون ملابس صفراء وأعلام تحمل شعار نسرٍ أسود. كان الفيلق يندفع نحو القرية بسرعة وكأنهم يشنون هجومًا عليها... بل كان هجومًا بالفعل! تملكني خوفٌ لم أعهده من قبل.

هرولت نحو القرية، وعندما وصلت كان رجالها يقاتلون الجنود. لم أفهم ما يجري، فركضت نحو منزلي بين النيران والدماء المسكوبة على الأرض. هناك، كان أبي يقاتل أربعة جنود بمعوله، ولكن كما يقال: "الكثرة تغلب الشجاعة". سقط أبي غارقًا في دمه؛ جثوت فوقه أهز جثته ودموعي تنهمر: "أبي، استيقظ! أبي... أبي!"

استيقظت على صوت ابنتي عند رأسي وهي تقول: "أبي، استيقظ... أنا جائعة." كانت تلك الذكريات تلاحقني دائمًا في أحلامي. نهضت وأنا أنظر إلى كوخي الصغير العاري من كل شيء سوى حصيرةٍ وجرة ماءٍ كدرة.

ضممت ابنتي الصغيرة ذراعي وهي تنظر إليّ بكل براءة؛ كانت أجمل ما في حياتي. قالت بصوت هادئ: "أبي، أعلم أنه لا يوجد طعام، ولكني لا أحتمل الجوع... ماذا نفعل؟"

أجبتها: "حسنا، سأحضر طعامًا، انتظريني هنا."

خرجت نحو حقلي القاحل؛ فالأمطار لم تَهطل منذ ذلك اليوم الشؤوم الذي مات فيه أبي. أتذكر يومها كيف وقف قائد الجنود في منتصف القرية بعد أن لم يبقَ سوى الأطفال والعجائز والنساء، وصارخًا باستعلاء: "أيها الفلاحون القذرون، أيها الهمج الجبناء! عشتم قرونًا بلا حاكم، مجرد قبائل تعيش في الجبال والكهوف، والآن حان الوقت لتصبحوا متحضرين. أنتم الآن تحت حكم مملكة الشمال، وعليكم دفع خمسين في المائة مما تملكون كضرائب سنوية!"

لم يجرؤ أحدٌ على الاعتراض. سلبونا كل شيء، ومن عجز عن الدفع كان يُؤخذ كعبد. حتى القرى المجاورة أصبحت تسرق بعضها بعضًا؛ فالإخاء والسلام اللذان عشناهما اختفيا وتحولا إلى خوف ومجاعة، ومن ادعوا أنهم حكامنا لم يفعلوا شيئًا سوى مص دماء الشعوب ليعيشوا في رفاهية الشمال.

ذهبت إلى صديقي علي لأستعير منه بعض الطعام. طرقت بابه الخشبي المهترئ، ففتحه قائلاً: "أهلاً بصديقي العزيز حسين، تفضل تفضل!"

قلت له: "آسف يا أخِي العزيز، لكني مستعجل. أريد فقط استعارة بعض القمح؛ فقد نفد ما عندنا وحقلي هذا العام في أردأ حالاته."

أجابني بالطبع، وأحضر كيسًا فيه القليل من الأرز، وكنت أعلم أن هذا كل ما يستطيع إعطائي إياه. وما إن أُغلق الباب حتى سمعت زوجته تصرخ فيه: "ماذا فعلت؟! لم يبقَ في بيتنا شيء سوى ما سددناه للضريبة السنوية!"

تأكلني الحرج والأسى... كيف وصلنا إلى هذا الحال المخزي؟ كززت على أسناني وأنا أقبض على الكيس بقوة كأنني أسدٌ جائع.

طهوت الطعام لابنتي، وكان ذلك كل ما نملكه، لكن ابتسامتها وهي تأكل كانت كفيلة بمسح كل همومي.

وفجأة، وصل محصل الضرائب برفقة الجنود، ونادى بصوت جاف: "اجتمعوا وأحضروا ضرائبكم!"

نظر المحصل إلى كومة الطعام القليلة أمامه وقال ساخرًا: "هل تمزحون؟ هذا لا يطعم كلبًا من كلاب الملك!" ثم أمر الجنود بالتفتيش والمصادرة.

قال زعيم القرية بنبرة انكسار: "نحن لا نملك سوى ما أعطيناك إياه."

فضربه المحصل وصرح بغضب: "لا يهمني! الأسر التي لا تدفع سنأخذ منها فردًا كعبد، والحاكم الجديد يحب الفتيات الصغيرات... أيها الجنود، خذوا كل فتاة صغيرة وجميلة إلى العاصمة!"

ارتفعت صرخات الآباء والأمهات وهم يرون بناتهم يُسَقن كالأنعام. رأيت ابنتي تصرخ وتستغيث بي، وفي تلك اللحظة تجسدت أمامي صورة زوجتي وهي تُؤخذ بالطريقة نفسها وأنا عاجز... لكنني هذه المرة لن أسكت!

اندفعت بكامل غضبي نحو الجندي الذي يمسك ابنتي وضاربته. تقدم نحوي شامهرًا سيفه ليقتلني، فطرحته أرضًا، واستللت سيفه وطعنته به. ثرت كالبركان واندفعت نحو باقي الجنود، وكان الجميع ينظرون إليّ وأنا أطيح بالجنود واحدًا تلو الآخر.

فر محصل الضرائب ممتطيًا فرسه وهو يصرخ من بعيد: "ستدفعون الثمن غاليًا أيها الجبناء الهمج!"

احتضنت ابنتي وأنا ملطخ بالدماء، وصرنا نبكي معًا... فقد كنت أعلم أنه بغضبي هذا، قد حكمت علينا جميعًا بالهلاك.

توجهتُ أنا وابنتي نحو مخرج القرية، أقبض بيدٍ على يدها الصغرى، وباليد الأخرى على السيف الذي قتلتُ به الجنود. كانت يدي ترفض إفلاته، فقد شعرتُ لأول مرة في حياتي بعزة النفس والقوة.

عند المخرج، وقف كبير القرية في وجهي صارخاً:

«إلى أين تعتقد نفسك ذاهباً أيها المجرم؟ ستصمد هنا حتى تأتي الشرطة وتقبض عليك!»

كانت النار في قلبي لا تزال تشتعل، وكنتُ أريد بالفعل أن أقطع رأس هذا الخسيس.

لكن "عليّ" تدخل فجأة، وخلفه جمعٌ من رجال القرية وعائلاتهم.

قال عليٌّ بثبات:

«لا تخف يا حسين، ما فعلته هو الصحيح ونحن معك».

حينها فقط عرفتُ أني لستُ وحدي.

غادرتُ القرية أنا ومن اتبعني من أهلها متوجهين نحو الجبال لنختبئ من بطش الجنود القادمين من الأفق البعيد، ولم يبقَ في القرية إلا مجموعة من الأغبياء الذين يظنون أن جنود الملك سيرحمونهم.

نهاية الفصل
تعليقات (0)
1~ دقيقة للقراءة 0% مكتمل

ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا