الوقت الحاضر – 2030

المكتب هادئ، إلا من صوت ضغطات الاصابع على لوحة المفاتيح.

ماهر يجلس مستقيمًا، ملامحه متزنة، مهيبة كما يليق برجل اعتاد أن لا يُظهر إلا ما يريد.

لكن في زوايا عينيه... تعب لا يراه أحد.

يمرّ الموظفون، يلقون التحية، وهو يرد بابتسامة ثابتة، محسوبة...ابتسامة لا تقيسها المشاعر، بل يقيسها العقل.

على الطاولة، ملف مفتوح.يقرأه بلا أن يتوقف عند الأرقام كثيرًا...بل عند الخط الصغير في أسفل الصفحة، خطّ من أحد المتدربين الجدد:"شكرًا أستاذ ماهر، لو لم اطلب منك المساعدة لما أنجزت."

توقفت عينه عند الكلمة."شكرًا."

كم مرة قالها هو في حياته؟ كم مرة سمعها؟

أغلق الملف، وأخذ نفسًا عميقًا.لكن عقله لم يغلق، بل عاد يسحبه إلى تلك الطاولة في بيت إسكندر، إلى الصوت البارد، إلى الجملة التي حفرت داخله: "أريدك شيئًا... لا أحد يكسره."

همس بينه وبين نفسه، ببرود يعرفه جيدًا: لا بأس... لن تكسرني حتى أنا.


أصلح وضع غترته، وكأنها درع صغيرة تخفي كل ما تحت رأسه من آلام.مرّر أصابعه على جبينه، مسح التعب، وأعاد وجهه إلى وضعه الرسمي.

من الخارج، كان ماهر كما يعرفه الجميع، هادئ، حاضر الذهن، لا يتأثر.لكن من الداخل،  كان يقف أمام نفسه، يوبّخها قائلا: أيها الطفل... كان يجب أن تختفي منذ زمن.


ثم، وكأنه ختم على قلبه، أعاد يده إلى لوحة المفاتيح، وبدأ يكتب من جديد...كما علّمه إسكندر: "بلا صوت، بلا شرح، بلا ألم."

المساء – نفس اليوم

الباب أغلق خلفه بهدوء.البيت ساكن، لا أصوات، لا رائحة قهوة، لا أحد ينتظره.علق غترته على المشجب، مشى بخطوات بطيئة نحو غرفة المعيشة.على الطاولة، كوب ماء نصف ممتلئ من الليلة السابقة.

جلس على الأريكة، أراح رأسه على المسند، وأغلق عينيه.

لا موسيقى، لا شاشة، فقط صمت... الصمت الذي يكره، والذي يهرب إليه في الوقت نفسه.

ترك نفسه يستمع إلى أنفاسه.كانت أبطأ من المعتاد، أثقل...كأن صدره يحمل أكثر مما يستطيع.


مد يده إلى درج جانبي، أخرج دفترًا صغيرًا، غلافه أسود باهت.فتحه على صفحة فارغة، وأمسك القلم... لكن أصابعه توقفت.

نظر إليها، لاحظ الارتجاف.

ضحك بخفة وهو يقول بسخرية خالية من أي دفء.

ـ "حتى أنت... ما زلتَ ترتجف."

أغلق الدفتر، أعاده إلى مكانه.ثم مال بجسده للأمام، أسند مرفقيه على ركبتيه، ودفن وجهه بين يديه.مرت دقائق طويلة.ثم رفع رأسه، عينيه محمرتان، لكنه لم يبكِ.

لم يجرؤ.

همس لنفسه بصوت واهن: لا أحد سيسمعك... حتى أنت.

مشى نحو غرفة نومه، وأغلق الباب.

في الخارج، ما زال هو "ماهر" الذي يعرفه الجميع.

لكن في الداخل... كان جسدًا يحاول أن يقنع نفسه أنه ما زال قائمًا.


(يتبع...)


ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا