قبل سنواتٍ بعيدة...

في بيت إسكندر، كان الليل يمشي على أطرافه.الساعة تشير إلى الواحدة واثنتين وأربعين دقيقة بعد منتصفه،والصمت يقطر من الجدران كندى بارد.

جلس ماهر، في الخامسة عشرة والنصف، على طاولة طويلة في غرفة طعام يغمرها ضوءٌ أصفر شاحب.أمامه أكوام من التقارير والمجلدات والهاتف الأرضي،كأن العالم كله تمدّد أمامه وقال له: حلّني إن استطعت.

كانت عيناه تحترقان من السهر، وأصابعه متيبّسة من فرط الكتابة،حين فُتح الباب بهدوء.دخل إسكندر بخطواتٍ واثقة، يحمل في يده كوب ماء، وعيناه تقدحان برقابة لا تُخطئ.توقّف خلفه وقال بصوتٍ بارد:

ـ ما زلت تعمل؟

رفع ماهر عينيه المتعبتين ولم يجب.

ـ طلبتُ أن تنهيه قبل الثانية عشرة.

قال بصوت مبحوح متردّد:

ـ كان هناك تضارب في الجداول، والمدير الفرعي لم يرسل البريد كاملًا...

ضحك إسكندر ضحكة قصيرة، خالية من الفرح،ووضع الكوب بقوة على الطاولة حتى ارتجفت الأوراق.

ـ كم مرة سمعت منك كلمة "لم"؟ عشرات المرات... ولم أقتنع يومًا.

ـ أنا آسف، لكن—

ـ أتريد أن تصبح رجلًا؟

انحبست أنفاسه.أكمل إسكندر ببطءٍ يشبه نصلًا يُغرس:

ـ الرجال لا يتحججون.يستيقظون مبكرًا، ينامون متأخرًا، ينكسرون بصمت... ويكسبون دون أن ينتظروا تصفيقًا.

ثم رفع الكوب مجددًا وقال بنبرةٍ آمرة: قف!

نظر إليه ماهر بارتباك.

ـ قلت قف!

وقف على الفور.

ـ هكذا... قل إنك فشلت.

صمت طويلًا، ثم تمتم: ... فشلت.

ـ بالضبط.فشلت، لا في العمل فقط، بل في فهم أن المشاعر تعيقك.صدّقني، لو لم أكن أحبك، لطردتك منذ أول خطأ.

ـ أنا أحاول...

ـ لا أريد محاولات. أريدك شيئًا لا يستطيع أحد كسره.

ثم همس كأنه يخاطب نفسه: الغلام الذي ربّيته... يجب أن يكون أقوى من أي وجع.

تركه، وخرج تاركًا الباب مواربًا.عاد ماهر إلى الكرسي، أطرافه ترتجف، وعيناه معلّقتان في الفراغ.وفي تلك الليلة، في عمق روحه، انكسر شيءٌ لم يلتئم بعد.

(يتبع...)


ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا