(عام 2018)
كان الشتاء يلف المدينة ببرودته،والشوارع مكتظة بأنفاس المارة.عاد ماهر من المدرسة، يحمل دفاتره كما لو كانت أثقل من عمره
.فتح باب البيت، فوجد إسكندر يجلس مع رجال أعمال، وصوته يأتي حادًّا، بلا دفء: ـ تأخرت... أين كنت؟
أجاب ماهر بصوت خافت:ـ المدرّس طلب مني أن أساعد في المختبر، فـ...
قاطعه بلا تردّد:ـ أيًّا كان السبب... أنا قلت لا تتأخر.
أطرق ماهر برأسه، ولم يجد ما يقوله.
أشار إليه إسكندر بالدخول، وأجلسه أمام الضيوف، ثم قال:
ـ أريكم مثالًا على شخصٍ سيصبح كبيرًا... وهو لا يعلم بعد.
هذا الصغير؟ سيحمل ميزانية كاملة عمّا قريب... لأنه يعرف كيف يصغي.
ضحك أحدهم:
ـ تعلّم من الصغر، أليس كذلك؟
ابتسم إسكندر ابتسامة ماكرة:
ـ الحياة لا تنتظر من يتعلّم متأخرًا... أنا أعلّمه الآن، ليصير رجلًا كما يجب.
وبعد أن غادر الضيوف، ناوله دفترًا جديدًا، وقال:
ـ اكتب كل ملاحظة، كل فكرة، كل شيء... لأنك إذا نسيت، فلن أكررها لك أبدًا.
جلس ماهر يكتب، فيما عيناه تلمعان بدمعٍ متماسك.
كان صوته الداخلي يهمس:
"يجب أن أتعلم... حتى لا أزعجه، حتى لا أكون عبئًا... حتى أعيش."
ومنذ تلك اللحظة، انتهى زمن البكاء في حياته.
(عام 2019)
جلس ماهر على طرف أريكة جلدية باهتة في غرفة الاجتماعات الصغيرة،دفتره في حضنه، يرسم دوائر بلا معنى.
دخل إسكندر، ببدلة رمادية، وابتسامة غامضة لا تُقرأ.جلس مقابله، وقال:
ـ ماهر... يا ولدي. أنا أعلم أنك تحاول... لكنك تشعر أكثر مما يجب.
رفع ماهر عينيه بتوتر: ـ أشعر؟
أجاب وهو يضع كوب القهوة على الطاولة:
ـ نعم... حين يمدحونك، تفخر أكثر من اللازم، وحين ينتقدونك، تنهار.الحياة لا تسير هكذا، يا بني.
صمت لحظة، ثم مال للأمام، وانخفض صوته:
ـ أنا لا أريدك رجلاً عاديًا... بل رجلًا يرى الدم فلا يهتز. ينكسر... ثم يقوم، دون أن يشتكي.
ابتلع ماهر ريقه، بينما أكمل إسكندر:
ـ كلما حاولت شرح شعورك، أحزن عليك. المشاعر تُضعف، وتفشل، وتسرّب الأسرار.
افهمها من الآن... "من يشعر كثيرًا، ينكسر أولًا".
غادرت الكلمات الغرفة، وتركته وحيدًا مع سؤال موجع: "إذ لم أشعر... فمن أكون؟"
(بعد أشهر قليلة)
أعدّ ماهر جدولًا بسيطًا داخل ملف عمل مهم، وأرسل النسخة قبل تدقيقها الأخير.
خطأ وحيد... ترتيب رقم تغير، لا أكثر، لكن إسكندر أمسك النسخة قبل اجتماع عملاء كبار.
دخل المكتب المفتوح، ونادى الجميع بصوت هادئ يشدّ الأعصاب: هذا الملف... يوجد داخله خطأ واحد، بسيط جدًا... لكنه كفيل أن يجعل العميل يضحك علينا.
نظر إلى ماهر: خطؤك البسيط... قاتل، يا ماهر.
ألقى الملف على الطاولة أمامه: اقرأ الخطأ... بصوت مسموع.
ارتجفت يدا ماهر: أنا آسف، كنت سأراجع لكن...
قاطعه: لم أطلب اعتذارك... طلبت أن تقرأ
.قرأ بصوت منخفض، بينما العيون تتبعه.بعضهم نظر إليه بشفقة... لكن أغلبهم تعلّم منذ زمن أن يظل صامتًا.
قال إسكندر أخيرًا: أرأيتم؟ لو لم يهمّني، لما علّمته. لكني أريده أن يكون اسمًا يُخاف منه... لا واحدًا يُعتذر له.
ثم خرج، وتركه واقفًا أمام الجميع.
وفي داخله... شعر أن قلبه ينكمش، كأن يدًا خفية ضغطت عليه وهمست: "لا تتكلم... لا تشعر... لا تبكِ."
(يتبع...)
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا