«في الحقيقة لا أعلم ماذا أقول ولكن... »
عبارات الطبيب عماد لم تفارق مسمعي طوال اليوم، أعادت سيلا من الذكريات والآلال..
و ليالٍ غمرت بالبكاء.
قرب الغروب، في منزل ذا حديقة خلفية بهية الألوان، فيها العديد والعديد من الأزهار والأشجار، مدخل بسيط و واجهة رخامية هي أول ما تلمحه في هذا البيت، مبنى يمتد لطابقين، امتزجت واجهته الرخامية بشبكة هندسية بنية اللون لتعطي مزيجا بين الماضي والمستقبل..
وداخل هذا المنزل يخرج أيمن من مكتبه بعدما قضى الكثير من الوقت، رجل في الأربعين من عمره ألفت عيناه رسم الكلمات، حتى ضعفت عن إبصارها، ورافقت أصابعه الأوراق حتى تركت أثرها عليه..
وتغذى عقله بما بين جلدتيها، فأدلى على لسانه رزانة وهدوءًا
أخذ يتمشى في المنزل، تجاوز الصالة، ثم التف يمينا نحو المكتبة، دخل إليها أنار أضواءها..
غرفة متوسطة الحجم، ملئت أركانها وجدرانها برفوف احتضنت العديد من الكتب.
كتب الأدب و دواوين الشعر، الفلسفة، التاريخ.. والكثير الكثير من الكتب، إضافة لكتب الطب..
وقف أمامها لمسها «يبدو أن الغبار رفيق لكم هذه المرة.. آه كم كانت أياما جميلة»
أخذ أيمن يزيل الكتاب تلو الآخر يضعها على الطاولة التي امتدت في وسط الغرفة، يمسح الأرفف، ينفض الأتربة..
جلس على الطاولة بين أطنان الكتب، بيده قماشة بيضاء قديمة.. يمسح أحدها يتصفح آخر، بلا هدف بلا وجهة محددة.. يتذكر ما تحمله تلك العناوين من ذكرى، وبين كل تلك الكتب وقعت عينه على كتاب لمعت معه العديد من الذكريات، أزاح عنه الكتب التي كانت مترامية فوقه، مسحه برفق، نظر إليه بحنين، مرر أصابعه على العنوان البارز يتلمس الأحرف ضحك واعتلت على وجهه ابتسامة،
« لقد كنت الكتاب الوحيد الذي سبقتها إليه...المعجزات هي الشيء الذي التمسته منك.. »..
أرخى يده التي تحمل الكتاب، وأمسك بالأخرى نظارته التي بدا عليها بضع قطرات من عرقه ..
« يا إلهي لقد اتسخت كثيرا.. »
أخرج منديله وبدأ يمسحها برفق، ومع كل مسحة يمسحها تزيد القطرات وكأنها تأبى التوقف، تنفس بعمق تنهد أدنى يده من عينيه يمسح السيل الذي انفجر..
لم يتسنى له أن يرخي ذلك الستار، حتى سمع صوتا في البيت « مازن.. مازن.. يامازن »
سارع بمسح دموعه، نفض الغبار عنه رتب قميصه، وبقي مكانه..
يعيد بقية الكتب إلى مكانها..
حتى سمع من خلفه « أيمن أين ذهب مازن؟ »
« خرج للعب قليلا.. » قالها وهو يحمل عددا من الكتب، يرجعها في مكانها واحدا تلو الآخر..
« لماذا سمحت له؟ ألم تسمع ما قاله الطبيب هذه المرة »..
توقف لبرهة عند سماع هذه العبارة قبض الكتاب الذي بيده بقوة، ثم أرخى قبضته سريعا، أكمل إعادة الكتب التي بيديه.
« وما الفرق الذي سيحدث كلام الطبيب هذه المرة..؟! »
ضربت على الباب خرجت مسرعة من المكتبة.. لحق بها أمسك بيدها.. «اسمعي الأمر وما فيه.. » قاطعته..
حاولت الإفلات من قبضته، التفتت إليه.. ودموعها تجري كنهر يأبى الوقوف..
« الأمر وما فيه أنك لم تعد تهتم بابنك.. »
صمت قليلا قبض على يدها بقوة سرعان ما أرخى قبضته، نظر إليها أطال النظر تنهد « بل أهتم لأمره، ولكنه لم يعد ذلك الطفل الهش هذا ما أريد أن أؤمن به.. »
حاولت هدى كبت دمعها، أغلقت عينها مسحت السيل الذي أنساب على خدها ولكن لم يكف دمعها عن السقوط..
« أريد أن أؤمن بذلك، ولكن.. ألا يضل الأطفال أطفالا مهما كبرو؟! »
ضمعها ودموعها كسيل جارف لا يهدأ..
امتزجت دموعها بالغبار التي خلفته المكتبة وكأن الكتب عاشت معهما تواسيهما في هذه المحنة.. وأشعة الغروب تقتحم هذا المشهد..
لحظة إذ بصوت طرق على الباب..
التفت الإثنان.. «يبدو أنه مازن أمسحي دموعك فلا يجب أن يراكي بهذا الحال.. »
« وأنت كذلك.. »
ذهب الإثنان وكل منهما يحمل في داخله نار حزن لا تنطفئ.. يخفيانها ببرود مصطنع ربما يخفف بعض الوجع..
يتبع..
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا