منذ أولى لحظات بكائه، لم تفارق دمعاته جدران المشفى لأربع سنوات، هزيل الجسم، ضعيف البنية، كثير البكاء..


ولكن أليس هكذا يكون الأطفال؟! بكاؤون متعبون.

رغم هذا تزال كل الهموم عند أول ضحكاتهم. 

كان مازن كالنبتة التي تواجه أعتى الظروف تأرجحها الرياح يغمرها الماء، ومع ذلك تبقى صامدة ومع كل عاصفة تمر كنت أرى وجهه يشع أملا، أملا يدفعني للبكاء.. 


ولكن الأمل لوحده لا يكفي.. 

.....

11/11/201‪4 


« أمي أريد المشاركة في مهرجان الطائرات، وأن أصنع الطائرة بمشاركة سعيد »

نظر إلي بكل أمل وكأنه وضع كل حياته في هذا الطلب، ومع ذلك نبرته أسلوبه المرتجف لم يتغير قط، هذا الأسلوب الذي لا يخرج إلا عند التحدث معي وكأنني العقدة التي تكبل حياته، رغم هذا لست حزينة، بل سعيدة رغم كل ذلك الرفض إلا أنه لا زال مستمرا بطلب المزيد، ولكن في بعض الأحيان ليس علينا تلبية كل شيء.. فكل طفل مختلف عن الآخر.. 

 « يسعدني أنك اقترحت هذا الأمر يا بني ولكن يمكننا التفكير بأنشطة أخرى مناسبة لك، ويمكنك دعوة سعيد للمشاركة بها.. أما هذا فعليك نسيانه.. هل لديك شيء آخر تريد قوله.. »


« لا أبدا شكرا يا أمي على إصغائك..» كانت عبارته أقرب للعتاب، عتاب صامت وكأنه يقول لماذا تحرمينني من كل شيء؟! 

ولكن ليس لدي خيار آخر. 


« حسنا.. إذا بعد انتهائك من الطعام إذهب إلى النوم فأنت تعلم ما ينتظرنا غدا.. ».. فغدًا.. يوم آخر من العناء.. 


في صباح اليوم التالي، ذهبنا نحو وجهة ألفت وجوهنا، مكان لم نرده ولكننا مجبرون للذهاب إليه، مكان تفوح منه رائحة المعقمات على الدوام، حيث تولد حياة وتخبو حياة.. حيث تتقاطر الدموع فرحا وحزنا.. نتجه نحو المشفى، أملا في أن تكون نتائج التحليلات مبشرة.


وصلنا إلى الاستقبال أنا وزجي أيمن رفقة ابننا مازن، بدت على الممرضين ذات الابتسامات، ابتسامات تخفي بداخلها الكثير من السهر والعناء.


انتظرنا دورنا بصبر وقلق كبيرين، كنت أشد على يد أيمن، وكأن قلبي يريد إخباره خلسة عن خوفي الذي اختبأ تحت عباءتي، خوفي الذي مزج بقلق الأيام والسنين.. سنين ضل فيها ابننا حبيس الأجهزة.

كنت أدعو ألا تعود تلك الأيام، لحظة وأثناء تفكيري وغرقي في بحر القلق، إذ بيد تحنوا على يدي تمسكني تخرجني من قعر ذاك القلق.


«لا عليك يا عزيزتي كل شيء سيكون بخير.. »

كان ذلك صوت أيمن زوجي الذي رافقني طوال هذه الرحلة، كان الدعامة التي أتكئ عليها. واليد التي تخرجني وتنتشلني من قعر مخاوفي..


بعد لحظات أتى دورنا، « مازن أيمن.. مازن أيمن.. غرفة 2.. »

استجبنا للنداء كان إلم معدتي لا يكاد يفارقني، ولكن حاولت قدر الإمكان ألا أبدي ذرة خوف أمام مازن.


دخلنا إلى الغرفة استقبلنا الطبيب "عماد سلمي" يبدو في الخمسين من عمره تكحلت عيناه من عناء السنين.. كان المشرف على حالة مازن منذ فترة طويلة.. 

بدأ يجري الفحص كالمعتاد ونحن نراقب، طلب منا بعض الأمور التي أجريناها في أوقات سابقة، أعطيناه التحليلات وبعد بضع دقائق..


اجتمع الطبيب عماد معي ومع أيمن بعد أن أخبر الممرضة بأن تقيس علاماته الحيوية..


« في الحقيقة لا أعلم ماذا أقول ولكن....»


عبارات الطبيب عماد التي تلت هذه الجملة لم تفارق مسمعي طوال اليوم.. أعادت سيلا من الذكريات والآلام.. 


ليال غمرت بالبكاء.. 


يتبع.. 

ملاحظات الكاتب

الفصل الثالث قصير ولكنه يمهد لشخصية الام وعائلة مازن بشكل أكبر..

التعليقات

أضف تعليقًا