(الخامس عشر من نوفمبر 2030 – الثامنة مساء، المنزل)

كان السكون يملأ المكان... سكون أعمق مما يجب.لا موسيقى. لا خطوات. لا صوت لمكيف.فقط صوته الداخلي يتردد:

"سأذهب إلى منزل عائلتي اليوم."

جملة عابرة قالتها جود... لكن وقعها فيه كان كسكين مغلّفة بالحنان، تتسلل ببطء إلى قلبه.

نظر إلى الشاشة أمامه، ثم إلى يده التي تمسك بالقلم... تلك اليد التي حملت أعباء الرجال وهو لم يكن سوى فتى.

"ليس لدي عائلة أعود إليها."

رفع رأسه، واجه انعكاسه في زجاج المكتب.عينان منهكتان، خاليتان من ذلك البريق الذي يعرفه من جرّب دفء الاحتضان.

"منذ الثالثة عشرة... وأنا في ساحة حرب.مكاتب، ملفات، خداع، صفقات.لم أعش مراهقتي كما ينبغي.كنت أستيقظ قبل الفجر، أساوم رجالًا أعمارهم ضعف عمري، أوقّع أوراقًا لم أفهم بعضها، وأتظاهر بثقة لم أمتلكها أحيانًا."

تنهد، ومسح وجهه بيده.

"كل إنسان لديه ذكرى دافئة من أهله... حضن أم، ضحكة أب، حتى لو كانت ذكرى واحدة.أما أنا... فكل ما لدي عائلة تجاهلت وجودي."

أسند رأسه على كفه، وعيناه على فراغ بعيد.

"كنت أقول لنفسي: ربما ماتوا فجأة... ربما الظروف حدّتهم.لكن الحقيقة؟ أنهم اختاروا تركي.اختاروا أن يسافروا ويعيشوا وكأن شيئًا اسمه 'ماهر' لم يكن."

ابتسم ابتسامة باهتة، كأنها لم تكتمل.

"لو مت حينها... من كان سيشعر؟ من كان سيحضر جنازتي؟"

قال وهو يضع يده على صدره، وكأن شيئًا يضغطه من الداخل.

"أنا لست غاضبًا لأنهم رحلوا... بل لأنهم لم يشعروا أن هناك ما يستحق أن يعودوا من أجله."

صمت لحظة، ثم خرج صوته هامسًا، متعبًا:

"أنا وحيد... ليس لأنني بلا ناس، بل لأنني حتى مع الموجودين... لا أستطيع أن أرتاح، لا أستطيع أن أتكئ."


_________________


كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا.هدوء الليل مطبق... لا يُسمع سوى صوت عقارب الساعة، وتنهيدة طويلة تتسلل من صدر رجل أنهكه الصمت.

جلس ماهر على أريكة غرفة مكتبه، أمام مرآة صغيرة لم ينظر إليها كثيرًا مؤخرًا.يرتدي كنزته الرمادية، ويحمل كوب قهوة بارد نسي أمره.حدّق في انعكاسه للحظة، ثم ابتسم بسخرية باهتة.

"كأنني اعتدت... أن أعيش، وأتحدث، وأعمل، وأضحك... بينما لا أحد يعرفني حقًا."

خرج صوته بالكاد، وكأنه لم يرد أن يسمعه أحد... حتى هو نفسه.

مرّت أمامه صور كثيرة:أمه لانا وهي تبتعد مسرعة، تقول: "ليس لدي أي وقت!"أبوه مراد وهو يغادر دون أن يلتفت.ثم المكتب... الشركة... إسكندر... الملفات التي وُضعت أمام فتى لم يتجاوز الثالثة عشرة.

"كنت طفلًا... طفلًا لا يريد سوى أن يسمع: تعال، عِش معنا... كيف كان يومك؟"

لكن أحدًا لم يقلها.

غرز أصابعه في شعره، تنفّس ببطء، ثم شهق شهقة قصيرة مكبوتة.ولأول مرة، فكّر بصوت عالٍ:

"هل أنا فعلًا بخير؟أم أنني فقط أتقن دور القوي؟"

عاد للصمت.كأن الحائط أمامه اعتاد هذه الأسئلة وقرر ألا يجيب.


(يتبع...)

ملاحظات الكاتب

التعليقات

أضف تعليقًا