كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً، والصالة غارقة في أنوار دافئة تنعكس على الوجوه. جلس ماهر على طرف الأريكة الكبيرة، وبيده طبق من الفشار الساخن الذي أعدّته جينا قبل قليل، تفوح منه رائحة الزبدة وتملأ المكان. إلى جواره، جلست جود وهي تحاول ترتيب الوسائد حولها لتجلس براحة، بينما يزن يقفز من مقعد إلى آخر باحثًا عن "أفضل زاوية للمشاهدة".
نصَّار أصرّ على أن يكون جهاز التحكّم عن بعد بين يديه، لكن منصور -توأمه- كان له رأي آخر، فمدّ يده ليأخذه، لينتهي الأمر بهما يتجادلان بصوت عالٍ، وكلٌّ منهما يتهم الآخر بأنه "يُبطئ بداية الفيلم عن قصد".
ضحك ماهر وهو يراقب الموقف، ثم التفت إلى جود هامسًا:ــ "أراهنك أنّ الفيلم لن يبدأ قبل مرور نصف ساعة من الآن."ابتسمت جود، ولم تحاول إنكار ذلك.
جينا، التي كانت تحمل طبقًا إضافيًا من الفشار، صاحت من المطبخ:ــ "هل سنشاهد الفيلم أم سنتشاجر طول الليل؟"فأجابها يزن بسرعة:ــ "نعم سنشاهده... لكن بعد أن أختار أنا الفيلم!"فقاطعه منصور وهو يضع يديه على خصره:ــ "بل أنا من يختار، لأن ذوقك سيء!"
وبينما تصاعدت الأصوات، دخلت تالا بخطوات هادئة وهي تحمل كوبًا كبيرًا من العصير، وجلست في منتصف الصالة، ثم أطلقت تلك النظرة التي يعرفها الجميع. صمتت الأصوات فجأة، وكأنّها ضغطت زرّ الإيقاف المؤقت للحياة نفسها. قالت بنبرة هادئة، ولكن حازمة:ــ "إذا لم تبدأوا الفيلم الآن، سأطفئ التلفاز وأطلب منكم أن تلعبوا شد الحبل بدلاً منه."
تبادلوا النظرات للحظة، ثم انفجروا ضاحكين، وتقدّم ناصر بخطوة صغيرة ليضغط زرّ التشغيل أخيرًا. بدأ الفيلم، لكن الهدوء لم يدم طويلًا؛ إذ بدأ يزن يعلّق على المشاهد وكأنه المخرج، وجينا تقاطعه بآرائها "الأكثر منطقية"، بينما منصور يضحك بصوت عالٍ على أي مشهد مهما كان عاديًّا.
ماهر، الذي كان قد وضع الفشار بينه وبين جود، مدّ يده ليلتقط حبّة، فاكتشف أنّ الطبق قد أصبح شبه فارغ. نظر إليها مستغربًا، فقالت بابتسامة بريئة:ــ "لم آكل وحدي... كلهم كانوا يمدّون أيديهم."ضحك، ثم نهض متوجهًا إلى المطبخ ليملأ الطبق من جديد، وهو يشعر أنّ هذه الضوضاء العائلية هي أجمل موسيقى يمكن أن تصاحب حياته.
جلس الجميع في أماكنهم، والفيلم يسير بين لحظات الصمت الغارق في الأحداث، وانفجارات الضحك والتعليقات الجانبية. وفي تلك الليلة، بدا وكأن العالم خارج جدران الصالة لا وجود له؛ لم يكن هناك سوى دفء العائلة، ورائحة الفشار، وأصواتهم المتداخلة التي صنعت ذكريات لن تُنسى.
انتهى
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا