(التاريخ: 2009، عمره 5 سنوات)
أراد أن يتكلم.
فتح فمه. حاول. لكنه لم يستطع.
كان الجميع ينظر إليه، أطفال الصف، المعلمة، حتى أولئك الذين لم يهتموا بوجوده من قبل. كان ذلك يومًا عاديًا، حتى قررت المعلمة أن تسأله سؤالًا أمام الجميع.
"ماهر، تعال وأخبرنا باسمك."
اسمه. مجرد اسمِه. شيء بسيط، كل طفل في الفصل يستطيع قوله بسهولة. لكن ليس هو.
شعر بالدموع تتجمع في مقلتيه وهو يقف في مكانه، يحدق في المعلمة التي تنتظره، وفي الأطفال الذين بدأوا بالضحك بصوت منخفض.
"تكلم، هيا! الأمر ليس بهذه الصعوبة!"
لكنه لم يستطع.
"ماهر أخرس!"، صرخ أحد الأطفال، وانفجر الفصل ضحكًا.
خفض رأسه، كأنه يحاول أن يختفي. حاول أن يضغط على حنجرته بيده، كأن شيئًا ما يسدها. أراد أن يصرخ، أن يقول شيئًا، أي شيء. لكنه كان يعلم... حتى لو فتح فمه، فلن يخرج منه سوى الصمت.
حينها، فهم شيئًا واحدًا: لم يكن بحاجة إلى صوت ليشعر بأنه غير موجود. كان يعرف ذلك بالفعل.
توقفت الضحكات ببطء عندما نظرت المعلمة إليهم بحدة، لكنها لم تقل شيئًا. فقط تنهدت، ثم انحنت أمامه، محاولة أن تجعل عينيها في مستوى عينيه.
"ماهر، أأنت بخير؟"
لكنه لم يكن بخير.
أراد أن يقولها، أن يخبرها أنه ليس أخرس، أنه يستطيع التحدث لكنه لا يعرف كيف. لكنه فقط خفض رأسه، وركّز بصره على يديه الصغيرتين المرتجفتين.
وضعت المعلمة يدها على كتفه بلطف، لكنها لم تبق هناك طويلًا. التفتت إلى الطلاب، وقالت بصوت جاد:
"يكفي، لن أسمح لأحد بالسخرية من زميله. هذا آخر تحذير."
لكنها لم تكن غاضبة حقًا، لم تكن منزعجة كما كانت عندما يعبث أحد الأطفال بالطباشير أو يرفض أداء الواجب.
لأنها، مثل الجميع، لم تكن ترى أن هناك خطأ حقيقيًا هنا. لم تكن تعتقد أن هناك شيء يحتاج إلى الإصلاح.
فقط نظرت إليه بابتسامة صغيرة، وربّتت على رأسه.
"حسنًا، يمكنك الجلوس، عزيزي."
وهكذا، انتهى الأمر كما بدأ: ماهر يعود إلى مقعده، والجميع يتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.
لكن شيئًا قد حدث. شيءٌ لن ينساه أبدًا.
(التاريخ: عام 2030)
كان ذلك اليوم عاديًا. لا شيء مختلف عن غيره. المكتب نفسه، الأوراق نفسها، الحياة الرمادية التي لا تتغير.
لكنه لم يكن يعرف لماذا... فجأة، تذكّر تلك اللحظة.
توقف عن الكتابة. حدّق في الورقة أمامه، كأنه لم يكن يعرف كيف وصل إلى هنا.
كم مضى من الوقت منذ أن تذكر ذلك المشهد؟ عشر سنوات؟ عشرون؟ لم يهم. الجروح القديمة لا تحتاج إلى سبب كي تعود، هي فقط تنتظر اللحظة المناسبة لتنبثق من العدم.
أغمض عينيه، واستطاع سماع أصواتهم من جديد.
"ماهر أخرس!"
لم يكن يتذكر اسم الطفل الذي قالها. لم يكن يتذكر وجوه زملائه وقتها. لكنه كان يتذكر الإحساس. الشعور بأن الكلمات حُبست في داخله، وأنه لو حاول إخراجها، فلن تخرج أبدًا.
فتح عينيه ببطء، وحدّق في يديه، مثلما فعل ذلك اليوم منذ عقود. كانتا أكبر الآن، أكثر صلابة، لكنهما كانتا ترتجفان بنفس الطريقة.
ضحك بسخرية. "عقل طفل في جسد بالغ..."
كم مضى من الوقت منذ أن تحدث مع أحد؟ منذ أن نطق بكلمة دون أن يفكر ألف مرة قبلها؟
ربما لم يتغير شيء حقًا.
أعاد القلم إلى مكانه، وواصل الكتابة كما لو أن شيئًا لم يحدث.
كما لو أنه لم يكن هناك يومًا ذلك الطفل الصغير، الذي وقف أمام الجميع، وحاول... لكنه لم يستطع.
(الفصل الأول، انتهى...)
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا