« بالطبع يمكنك ذلك ولكن كن حذرا من أن تكتشف أمك الأمر..لذا عليك إبهارها.. »
رافقت هذه الكلمات مازن كظل له حتى طلع الصباح، ومع أول طرقة لباب غرفته، إختبأت خلف ابتسامته المعتادة..
تردد صوت الأم.. بعذوبة تنساب مع نسيم الصباح، دخلت إلى الغرفة، وفتحة نافذة ابنها.. « كم هو صباح جميل.. هيا انهض.. أمامنا يوم حافل.. »
ابتسم مازن، ابتسامة أخفت خلفها العديد من الحكايات.. « بالفعل هو كذلك.. كم هو صباح جميل أرجو أن أستطيع اللعب اليوم ..»
« ما به مازن، لم يأتي للمدرسة اليوم..
لقد أصبحت غياباته كثيرة هذه الفترة.. »
في الظهيرة وأثناء عودة سعيد إلى منزله بعد أن أرقته الأرقام والحروف، وخذله عقله عن إدراك الدروس...
يسير و وجهه إلى الأرض يفكر بكل تلك الأرقام عندما تجتمع مع الحروف.. « من الذي اخترع هذه الأمور..!!؟ »
لحظة إذ بضحكة، جعلت سعيد يرفع رأسه باحثا عن صاحبها..
يلتفت بترقب إلى اليمين وإلى اليسار، يعيد الكرة مرة وأخرى..
حتى شعر بيد تمسكه من قفاه، صرخ والتفت إلى الخلف بعدما أخذت أقدامه المبادرة للركض.. « مازن!! هذا أنت..!؟ »
ارتمى مازن على الأرض من شدة الضحك..
« لمذا تضحك.. لقد أرعبتني يارجل..»
جلس مازن..مسح دمع عينه، وعدل ثيابه.. « أعتذر حقا ولكن لم أقصد ذلك.. ولكن بدوت مضحكا.. »
جلس سعيد بقرب صديقه، يراقبان النهر الذي بدت أمواجه كعقد لؤلؤ تناثرت كراته..
« صحيح!؟لم غبت اليوم عن المدرسة؟.. »
« مواعيد دورية في المشفى، فحوصات وأشياء روتينية.. إذا آخبرني ماذا جرى اليوم.. أراك مهموما.. » قالها مازن مع ضحكة ارتسمت على وجهه الشاحب..
تنهد سعيد، وكأن ما سئل عن كارثة ألمت به..
استلقى على العشب وأغصان الأشجار تتراقص فوقه.. وبدأ بالشكوى.. واستمرى هكذا و الضحكات رفيقة لهما.. سعيد يقلد الأساتذة و مازن يصفق لإتقانه التقليد..
حتى قال سعيد « في أحيان ما أتمنى لو كنت مثلك يا مازن.. فأنت جيد في الدراسة، ولن تواجه صعوبة مع هذه الأرقام...وايضا.. »
استمر سعيد بالكلام ولكن عقل مازن كان مشغولا يحاول ترجمة شيء ما.. فرح وحزن في ذات الوقت..غفل للحظة فأعاده صوت صديقه.. « ما رأيك..؟! »
أجاب بلا تردد « نعم بالطبع... »
تنهد سعيد وأمسك بكتف صديقه.. « أتعلم يا مازن؟! أظن أنك..لم تكن تسمع لأي شيء مما قلته.. ولكن لا بأس انس.. »
ضحك مازن.. وأردف معتذرا.. « صحيح مارأيك بما ان مهرجان الطائرات الورقية يقترب أن نتشارك في صنع واحدة..!؟ »
لمعت عينا سعيد وقد أظهرت قسمات وجهه كم أعجب بالفكرة « بالطبع.. ولكن أليس من أمامنا الكثير من الوقت..؟ »
« اجل ولكن لكي يكون لدينا مساحة أكبر، إضافة لأيام الدراسة و الإمتحانات.. »
« حسنا لا بأس سأحدث والدي بالأمر.. »
افترق الصبيان كل منهما ذهب إلى بيته وأفكارهما تجمعهما..
وصل سعيد إلى بيته.. تستقبله أمه بكل حب وحنان، « كيف كانت المدرسة اليوم يا بني.. »
« جيدة.. ماذا يوجد لدينا اليوم؟ »
« سيعود والدك من السوق اليوم، كان يبحث عن بضاعة وأضنه سيعود بشيء جيد.. إذا قد يكون لدينا الكثير من العمل غدا.. أما الآن فما رأيك بترتيب المكان..؟! »
بدأ سعيد بالعمل و موج من الأسئلة يتدفق لعقله..« هل وجد أبي شيئا؟.. إن عاد هل سيملك وقتا يراجع لي الدروس.. هل سيوافق أولا..؟ » هذه الأسئلة كانت تتكرر في كل مرة، ومع كل مرة تتكرر فيها كان الجواب الوحيد لها هو كرة القدم، تلك اللعبة التي يجد سعيد فيها الصديق.. تلك اللعبة التي يجيهدا أكثر من غيره..
ولكن حتى هذه اللعبة هناك من ينغص عليه في لعبه لها..
لذا أصبح يلعبها وحيدا.. يركلها في جدار ينططها.. حتى تغرب الشمس..
وفي كل مرة يريد أن يطلب من صديقه مازن أن يشرح له.. يتراجع فورا..
وفي زاوية أخرى يستلقي مازن على سريره وجملة صديقه لا تفارقه « في أحيان ما أتمنى لو كنت مثلك يا مازن.. فأنت جيد في الدراسة، ولن تواجه صعوبة مع هذه الأرقام »
وتساؤله الوحيد .. « لماذا؟ »
توقعات الناس ومديحهم له لم يستقبلها مازن يوما بمنظورهم، فما يرونه نقطة قوة، يراه هو وليد ضعف، نتاج أيام وأيام من البقاء داخل أربعة جدران، وبكاء، وصرخات، ورنين كصوت عقرب الثواني.. لتصبح الكلمات ذلك الرفيق والمتنفس من كل تلك الآلام.. آلام حفرتها السنوات..
يتبع..
ملاحظات الكاتب
تأكيد الدعم
التعليقات
أضف تعليقًا