في صباح يوم الثامن عشر من شهر يناير، بين نهاية وبداية جديدة، اجتمع أهل مدينة « رأس القلم » مدينة ساحلية في شرقها بحر، وفي غربها سهول وجبال خضراء، شمالها صبخات وجنوبها أنهار..

إجتمعوا فوق أسطح منازلهم ، كل عائلة بين أحضانها طائرة ورقية تحمل بين حوافها الكثير، 

(لقد فعلتها.. لقد طارت.. أنظرو إنها تحلق عاليا.. أخيرا..) 

رغم أنهم يجتمعون لنفس الهدف إلا أن الغاية مختلفة بالطبع. 




18/11/201‪4 


في أحد ضواحي مدينة رأس القلم.. حيث الأدب رفيق كل ناحية وزقاق، مكتبات كثيرة، وكتب تملأ الشوارع و الطرقات، ينهل منها المارة عبرا وحكايات.. مقاهٍ تتغنى بملاحم وقصص أبطال، أو شعر تتطرب له الآذان. 

رائحة النعناع وعطر الورد تنتشر في المكان، لتلامس الأرصفة الحجرية، والجدران الرخامية بحنان، تصاحبها رياح هادئة تداعب الأشجار، وزهور الياسمين والريحان.. 


وفي إحدى طرقها يركض سعيد بسرعة خيالية، يحاول الإفلات من شيء ما، يقفز وينزلق متخطيا العربات، يتجاوز ويراوغ المارة، كمهاجم يتخطى صفوف الدفاع.. 

رجل يحمل أكواب شاي يوصلها لزبائنه، وآخر يقرأ كتابا.. 

عوائل وكبار سن، كلهم كان لهم نصيب من مراوغات سعيد، ومع كل مناورة ناجحة، ترافقها كلمات كثار، أو ضحكات أطفال.. 

« انتبه ياولد... 

           ...هذا انت يا سعيد مجددا.. 

                      .... أمي أريد أن أفعل مثله.. »


ومع كل هذا يستمر سعيد و الضحكات مرسومة على محياه، وصوت رفيقه المتعب يندهه بأنفاس متقطعة « انتظر يا سعيد، توقف.. قليلا.. »

يلتفت إليه سعيد، ويدير بظهره، ليقول مسرعا.. « هيا يا مازن، لن أستطيع الصبر حتى نبدأ.. الحماس يكاد يأكلني..» قالها والابتسامة لا تفارق وجنتاه.. 

ارتمى مازن على الأرض وقال بأنفاس مثقلة « لن تساعد الحماسة أو تحدث فرقا..علينا والتمهل قليلا.. »


جلس سعيد قبالة مازن...وقد سبقته كلماته.. 

« سعادتي لا توصف، أقنعنا والديك أخيرا..لذا أسرع قبل أن يتغير الأمر.. »


« أقدر ذلك حقا، ولكن عليك أن تهدأ، فلن نستفيد شيئا إن وصلنا ونحن متعبان.. »


11/11/2014

قبل أسبوع من الآن وأثناء عودتها من المدرسة، يزفهما حفيف الأشجار، وهديل الحمام.. 


يرى مازن طائرة ورقية تحلق في الأفق وتعانق السحاب، تتراقص وكأنها تدعوه للرقص معها..لينساب تساؤل ويجري على لسانه « كم بقي على المهرجان يا ترى؟ »


«أي مهرجان؟! » يسأل سعيد مستغربا، وهو ينظر إلى وجه صديقه الذي بدا كمن يرى لحظة شاعرية ترتسم أمامه، ليوجه عينه هو الآخر صوب نفس المكان.. فيرى الطائرة الورقية لتترك ظلالها ابتسامة بيضاء « اااااه، مهرجان الطائرات!! » قالها سعيد كمن يمزج بين غرابة السؤال وجمال ما رآه، طائرة ذات ألوان عشوائية زاهية.. 

كموج بحر صبغته شمس الغروب لتنساب قرأته على مرج أزهار.. 


« نعم أقصد مهرجان الطائرات، أعتقد أنه حول الشهر ونصف.. »


« ماذا؟! إنه بعيد..ننتظر كثيرا ولكن لماذا تسأل عن هذا؟ »

تقدم مازن مبتسما كمن يعلن بدء سباق ما، « ستعلم ذلك لا حقا.. أما الآن فآخر واحد يصل إلى بيت الشجرة عليه شراء عصير للفائز..»

ركض مازن مسرعا.. وهتف سعيد، « لن أسمح لك بالفوز... »


يركض الإثنان، و الضحكات تتسابق معهما.. 

وخلف ابتسامة أحدهما جرح يحاول أن يتوارى خشية أن يُرى.. ويحيل كل الأفراح أتراح.. 


في المساء، وحول مائدة الطعام، تجلس عائلة مازن، أمام طبق اللحم المشوي، عائلة صغيرة من ثلاثة أفراد.. 


وأثناء ذلك يتوقف مازن عن الأكل، ليقول لوالدته.. 

« أمي أريد أن أطلب منك طلبا.. وأعلم انك قد ترفضينه، ولكن سأكون سعيدا لو وافقت عليه.. »

 توقفت الأم عن الأكل ونظرت إلى ابنها وقالت بصوت هادئ ينم عن حزم « خيرا إن شاء الله، قل مالديك.. »


قال بصوت مهتز، كمن يخاف أن يقابل كلامه بالرفض.. « أريد المشاركة في مهرجان الطائرات، وأن أصنع الطائرة بمشاركة سعيد.. »

ليقابل كلامه بالرفض مجددا « يسعدني أنك أقترح هذا الأمر يا بني ولكن يمكننا التفكير بأنشطة أخرى مناسبة لك، ويمكنك دعوة سعيد للمشاركة بها.. أما هذا فعليك نسيانه.. هل لديك شيء آخر تريد قوله.. »


أردف والخيبة تعانق كلماته « لا أبدا شكرا يا أمي على إصغائك..»

« حسنا.. إذا بعد انتهائك من الطعام إذهب إلى النوم فأنت تعلم ما ينتظرنا غدا.. »


وسط كل ذلك كان الأب يراقب بصمت، يستمع فقط..وابتسامة تعلوا محياه.. 


ليجتمع بعد ساعة في غرفة ولده، ليخبر ابنه بالجملة التي كان يريد سماعها من أمه « بالطبع يمكنك ذلك، ولكن كن حذرا من أن تكتشف أمك الأمر، لذا عليك إبهارها.. »


ليرتمي مازن في حضن والده « لا عليك سأبذل جهدي.. »

يضحك الأب، ويمسح على رأس ابنه « أعلم أنك تستطيع فعلها، وأرجو أن تتفهم تصرف والدتك فإنها تحبك جدا.. تصرفها هذا ينبع من خوفها ليس إلا، ثم إنها على عكس ما أبدته لك اليوم إنها سعيدة جدا بطلبك.. ولكن لا تخبرها بأني قلت لك ذلك.. »


.. يتبع.. 







ملاحظات الكاتب

أستقبل آراءكم..

التعليقات

أضف تعليقًا